عندك عرف؟

لا يبدو على هذا السؤال الشائع جدا والذي يواجهنا دائما، ولا سيماعندما تتعرقل أمورنا في مكان ما؛ إنه يحمل بين ثناياه كل هذه المنظومة من قيم الدمار التي فتكت بكل ماهو سليم وحيوي في الدولة والمجتمع. بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بمشروع تأسيس وتطوير مشروع الدولة الحديثة في العراق، تحول ذلك المشروع الذي هدهد أحلام وآمال شعوب أقدم الأوطان في الربع الأول من القرن المنصرم، الى ما يشبه المكب الضخم لأسوأ ما يمكن أن ينضح عن البشر من قيم وتقاليد شرهة ومتخلفة. لم يعد أمر الانحطاط الذي انحدرت اليه مؤسسات الدولة سراً، بعد ان افترستها الأورام على كل المستويات، حيث الأعداد الهائلة من الموظفين، والذين باتوا اليوم يشكلون الخطر الأساس على ما تبقى من أمل بالخروج من المأزق القيمي والحضاري الذي نواجهه. لا توجد لدينا معطيات وأرقام كبقية الأمم التي أدركت قيمة مثل هذه الأمور في هذا العالم الرقمي، لذلك لا نعرف الأعداد الدقيقة لكل الأفراد والجماعات التي استعانت بـ (العرف) لتسهيل أمورها، لكننا لا يمكن ان نشك بحقيقة كونها أعداداً هائلة. طبعاً هذا (العرف) يتميز بقدرات وأحجام مختلفة، والمحظوظون وحدهم من يمتلك الحظوة والعلاقة مع أكبر عدد منهم، ومن مختلف المواهب والتخصصات المستلقية على سنام المفاصل الحيوية للمجتمع والدولة.
يعاتبنا البعض على ما يراه شدة او قسوة فيما نكتبه من أعمدة ومقالات أو ما نتطرق اليه في اللقاءات والحوارات، من دون ان يلتفت الى ما يشغل بال وفكر من تلقف مسؤولية قيادة الدولة، من مفاهيم وقيم غاية في التخلف وضيق الأفق، عندما يستعينون بتعاويذ الماضي وقواه الضاربة من قبائل وطوائف وملل وجماعات ضيقة من أجل إدارة الدولة في زمن أصبحت فيه عبارات (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب) وغيرها من استراتيجيات عصر داحس والغبراء، سلوكيات وممارسات يحاسب عليها القانون، لما تتضمنه من انتهاكات لمنظومة القيم الحضارية التي ارتقت اليها سلالات بني آدم، ببركة القوانين والمدونات التي أكرمت البشر بعد مشوار طويل من الضيم والإذلال.
في الوقت الذي يسير فيه العالم صوب ما يعرف بـ (المواطن الكوكبي) يهرول سكان أقدم الأوطان الى عقد المزيد من كونفرنسات العشائر، وتشمر السلطة التشريعية عن قدراتها لتشريع قانون خاص للعشائر والقبائل، بوصفها الرافعة الأساس لبناء العراق الجديد..! مثل هذه الشروط والمفاهيم والتشريعات تجعل من سؤال: (عندك عرف؟) ملازماً لنا في كل تفصيلات حياتنا، حيث ينزوي العاجزون عن الوصول الى (العرف) الى قعر التسلسل الإداري والاجتماعي، مهما امتلكوا من مواهب وقدرات على العمل والإبداع والابتكار. من يتابع حال مؤسسات الدولة المختلفة، يجدها مثقلة بأعداد فائضة وعاجزة لا عن أداء أبسط متطلبات وظيفتها وحسب، بل تحول قسم كبير منها الى عائق وأداة تنخر جسد تلك المؤسسات. مع مرور الوقت بمعية هذه الأعداد الهائلة المتسللة الى شتى مستويات الوظائف والمسؤوليات من خلال بوابة (العرف)، وعدم وجود أي محاولة جدية لمواجهة هذا الطاعون، ستتحول الدولة نفسها الى العدو الأساس لكل مشروع يفكر يوما بإعادة بناء الدولة على أساس المعايير التي اعتمدتها الأمم التي وصلت لسن التكليف الحضاري.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة