متشائمون نعم.. والعكس أيضاً صحيح

اذا كان التشاؤم، بحسب التعريف المدرسي، هو التعبير الغريزي عن القلق حيال المستقبل، وعدم الثقة بوعود «السوق السياسي» حول الامن والاستقرار والرخاء، فنحن متشائمون الى ابعد الحدود، فلا احد يستطيع اقناعنا بان ثمة مشروع سياسي لاختصار محنتنا، أو ان الامور تعافت من العلل والعثرات، حيث نتابع بالصوت والصورة تلك العلل والعثرات شاخصة في الحياة اليومية وعلى الشاشات الملونة، فيما نخوض في برك الدماء وندفع عن وجودنا احياء ثمناً باهضاً، ولا يخفف من ضغط هذا الشعور المتشائم ما يتحقق يومياً من نجاحات على ساحة المواجهة مع الارهاب وما نعيشه من هوامش تدخل في تعريفات الممارسة الديمقراطية.
والآن إذ استسلمنا الى «تشخيص» التشائم» الذي يأخذنا الى الخوف على بلادنا ومصائرنا فاننا نقاوم الاستسلام الى الانهيار والتحول الى شحاذين على ابواب الامم وذلك بغريزة الامل التي تسمح احياناً المراهنة على شواطئ السلام.
مقابل ذلك فان الغبار الخانق، المسموم، التخريبي الذي حمله مشروع «داعش» الاجرامي الى حياتنا انتهى الى خلق نقيضه: خصومة مجتمعية مع الارهاب، تتبلور على شكل»امل» ينشق من افئدة الملايين ويتدفق، وإن بمكابدة، في تعاطٍ بليغ مع الحياة اليومية، وتحدٍ (احياناً انفعالي) للمخاطر الامنية، وحرص على اشاعة الاسترخاء في نقاط تماس كانت مرشحة للتوتر، ويعطينا هذا الشعور المتفائل أملا (هو الاخر غريزي) في عبور «المحنة» إذ نتابع تجلياته في التفاعل مع الانتصارات على داعش من دهة ونأي الشارع عن شعارات التجييش الطائفية من جهة اخرى
/نسائم التفاؤل هذه، قد تكون ممارسة شعورية فارّة من احتباس شديد في الحياة جراء فترة طويلة في حالة الطوارئ أو هي رجاء يائس مكبوت ناتج عن مكابدات العيش وازمات الخدمات وعواصف الصراعات السياسية والطائفية، وربما لا تعدو عن كونها امنية مجانية تلقى على قارعة الطريق، أو جرعة من التهدئة الخادعة يداري الناس بها دوامة الاخطار والتفجيرات وليالي الرعب والجثث والموت، وغارات الكوابيس والضغوط.
ان التفاؤل، في كل الاحوال، غير قابل للتوظيف سياسياً، وليس هو منة من جهة او تكية، كما انه ليس معادلة رياضية تنطلق من افتراض استُهلك كثيرًا عن «الصحوة الضمائر» انه الامل أو «ثورة الامل» كما يقول «اريك فروم» ويشاء «الدوس هاكسلي» ان يجعل في كتابه (افضل العوالم) من الامل قوة سحرية لصناعة التغيير.
التفاؤل الذي نتحدث عنه كنسائم على سطح المشهد الاجتماعي-السياسي الجديد مصدره المباشر تلك الطريقة العقلانية والمنضبطة التي تدار بها شؤون الدولة لمنعها من الانهيار خلافاً لاساليب تتمثل بإثارة الخصومات المجتمعية واضعاف القوى وإبقاء المشهد في حالة تجييش، وانه من زاوية معينة احساس نبيل وسري باهمية مشروع الحياة الذي تتشبث به الملايين ورفض الاستسلام للتهديد والقتل العشوائي، ومواجهة سلمية وانسانية لسطوة العنف ومؤسساته.
هذا على الرغم من اننا فقدنا موهبة صناعة التفاؤل منذ زمن طويل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة