الوعي يعني المزيد من التفصيلات

كما أن أخطر أنواع الجهل يأتي من الاسترخاء على مصاطب التعميم واعتماد الإجابات الجاهزة، ينبثق الوعي من امتلاكنا لتفصيلات الشيء، ويتعمق من خلال المزيد من التفصيلات والمعطيات الواقعية والمتغيرة عنه. هذه البديهية المفروغ منها عند الأمم والمجتمعات التي تجاوزت سن التكليف الحضاري، ما زالت غريبة ومترددة على تضاريسنا وجماجمنا المسكونة بالقناعات الجاهزة والانتقالات الدراماتيكية بين ضفاف مستنقع الركود نفسه منذ أكثر من ألف عام وعام.
في ذلك الفسطاط الذي منحت الثورات العلمية والقيمية شعوبه؛ أنجع السبل والمناهج للارتقاء بأحوالهم المختلفة، أدركوا جيدا معنى امتلاكهم للتفصيلات بوصفها الثروة الحقيقية التي لا تنضب. لذلك لا يمكن التعرّف على شخصياتهم الفذة من نسيج سبينوزا أو دارون أو يونك، من دون تصفّح ما كدسوه من ثراء التفصيلات في مجال تخصصاتهم. لدينا العكس تماما إذ ينكب “علماؤنا” على حفظ واجترار أكبر مساحة ممكنة مما دوّنه الأسلاف من علوم القيل والقال وعن فلان قال، ليستنبط من كل ذلك جيل آخر من اليقينيات و”المعارف” والمدوّنات التي تفتخر بكونها امتدادا لثوابت الأمة وديباجاتها الجليلة. طبعا هذا لا ينفي اعتماد شريحة المتخصصين عندنا على المنهجية العلمية وركيزتها من التفصيلات، لكن هذه العلوم الدنيوية قد وصلت الى مضاربنا برفقة القوّات الأجنبية التي فرضت سلطة الانتداب على أسلاب آخر خلافة إسلامية (العثمانية). لكن مع ذلك يتميّز غير القليل من المنتسبين لهذه الشريحة في مجتمعاتنا المسكونة بأشباح الماضي، بالازدواجية في التعاطي مع هذه المنهجية، فهم مع التفصيلات والمزيد منها في مجال تخصصاتهم المهنية وضدها في مجال العقل والقيم والفكر بشؤون الحياة وعالمنا اللا متناهي، إذ نجد علماء في الفيزياء النووية لا يختلفون كثيرا في طرحهم الفكري والقيمي والوجودي، عمن لم تمنحه الأقدار فرصة إكمال دراسته الابتدائية والمتوسطة.
هذه الازدواجية في الجمع بين شتيتين، ألقت بظلالها الثقيلة على مسار الأحداث في بلداننا، وهي ظاهرة لها أسبابها وجذورها التي لم تحظ بما تستحقه من اهتمام. لذلك نجد الكثير من الغموض واللبس في غير القليل من الحالات والأحداث التي تواجهنا في شؤوننا الخاصة والعامة. إن قرون من العبودية والاستبداد قد حفرت بصمتها على الكثير من العادات والتقاليد المسؤولة عن طبيعة ردود أفعالنا تجاه ما يستجد من شؤون الحياة وميادينها المختلفة، وهذا ما يمكن التعرف عليه بوضوح من خلال ما واجهه الدكتور نصر حامد أبو زيد، عندما حاول الاستعانة بالمناهج العلمية الحديثة وأدواتها المجرّبة، في التعاطي مع النصوص والسرديات التي لم تحظ بغير التبجيل والاحتفاء؛ عندما تعرض الى حملة ظالمة وشعواء من قبل الشبكات الاخطبوطية لسدنة الماضي ومؤمياءات التأريخ. كل ذنب ذلك العالم الجليل؛ أنه حاول فصل النص عن سلطة النص، إذ استنفرت ضده كل الحيتان المستثمرة في سلطة النص بعيداً عن مضامينه الأصلية. مأساة الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيره من أصحاب العقول والضمائر الحرة، أنهم كانوا منسجمين مع أنفسهم وما يحيط بهم من وقائع وحقائق وأحداث، كرسوا كل حياتهم ومواهبهم من أجل وعيها عبر السبيل المجرّب ألا وهو؛ المزيد من التفصيلات والتقصي الشجاع والمسؤول..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة