حميد الزاملي أُنموذجاً

ما يفرضه الفضاء الرقمي على النص..
د.ثائر العذاري

في السياق التاريخي يمكن أن يقال أننا نعيش على أعتاب العصر الثالث من عصور التواصل المعرفي، هو العصر الرقمي بعد انقضاء العصر الشفاهي ووصول عصر الكتابة مشارف أفوله. وكما كان الانتقال من الشفاهية إلى الكتابية حتميا سيكون الانتقال الرقمية كذلك، وبقدر ما غيرت الكتابية في الفنون والآداب ستغير الرقمية، ولن يحتاج التغيير إلى تحضيرات ولن تعيقه معارضة، لأن التاريخ لا ينتظر أحدا.
وقد بدت الكثير من ملامح الأدب الجديد الذي يحاول أن يكون متوافقا مع الوسيط الجديد (الفضاء الرقمي)، ونحاول في هذه الورقة رصد أبرز تلك الملامح عبر ما ينشره قاص عراقي (حميد الزاملي) على صفحته في فيس بوك، وقبل ذلك لابد من توطئة نظرية تبين اختلاف شكل التواصل في العصر الرقمي عما كان عليه في عصر الشفاهية وعصر الكتابة.
سنعتمد ترسيمة ياكوبسن الشهيرة (الشكل التوضيحي1) التي يوضح فيها أركان عملية التواصل بغية فهم ما اتسم به كل عصر من العصور الثلاثة.
فعملية التواصل حسب ياكوبسن تقوم على مرسل (X ) يرسل رسالة (يمثلها السهم في المخطط) إلى مرسل إليه (Y ) عبر وسيط مادي (يمثله المستطيل) . هذا الوسيط هو الهواء في الشفاهية والورق في الكتابية وهو الشاشة الإلكترونية في العصر الرقمي، بيد أننا سنحتاج إلى تعديلات على مخطط ياكوبسن لفهم ما يحدث، فالملاحظ أن التواصل فيه يظهر في اتجاه واحد من المرسل إلى المرسل إليه وهذا صحيح في الوسيط الكتابي فحسب، إذ لا يتمكن القارئ من الرد على رسالة الكاتب.
في الشفاهية يخاطب الأديب جمهورا يجلس قبالته ويتفاعل معه ويرصد رد فعله على ما يقول، وفي (الشكل التوضيحي 2) يمكن تصور التواصل المعرفي فيه.
فالأديب يرسل رسالته بصورة مباشرة إلى جمهور يعرفه ويراه، ويستطيع التفاعل معه عبر النظر والصوت والإشارات فضلا عن النص بوصفه نشاطا لغويا مجردا، غير أنه جمهور محدود في المكان (القاعة مثلا) ومحدود في الزمن الذي هو وقت الإلقاء.
أما في عصر الكتابية فقد تغلب الأديب على هذه الحدود، فعمله يصل إلى حيث يصل النص المطبوع زمانيا ومكانيا وهذا ما يلغي محدودية الجمهور. لكنه خسر التواصل المباشر والقدرة على استقبال رد فعل المتلقي.
وأما العصر الرقمي فإنه يجمع بين سمات الشفاهية والكتابية إلى درجة كبيرة. فالكاتب يخاطب جمهور غير محدود لا في الزمان ولا في المكان ومع ذلك فهو يمتلك قدرا لا بأس به من معرفة مزاجه، ويمكنه استقبال ردود أفعال مباشرة عبر التعليقات والرسائل الإلكترونية والانفعالات المعبر عنها بإشارات إلكترونية.
ونستطيع الآن الانتقال إلى عمل حميد الزاملي الذي يستطيع قارئه بسهولة أن يلمس الفرق بين ما ينشره على صفحته في موقع فيس بوك من نصوص معدة لها أصلا وبين ما كتبه ليكون قصة في صحيفة أو مجموعة قصصية.
إن أول ما يمكن ملاحظته هو أن نصوص الزاملي الرقمية تقع في منطقة بين الشعر والقصة القصيرة أو القصيرة جدا، إذ يمكن نسبتها إلى هذا أو ذاك:
في عز القحط …
هو …
باع نصف عمره …
لقاء قبلة ساخنة
وحين استفاق فجأة …
وجد نفسه في خيال
لا صوت فيه يعلو
ولا حتى شبح لوتر .
انه الآن..
اقصوصة للدود
والهياكل المتفسخة
كان بوده العيش في مملكة ثلجية
لا رعية فيها ولا هم يموتون
ليته …
ما باع ذلك النصف…
ولم يدوزن احلامه للاصدقاء
فقد غادرته القافلة..
وطارت اوراقه للابد
انه هو…
الرجل الكهل …
الذي اصبح …
زهرة ذابلة تنتظر المطر
فالانطباع الذي يستوحى من النظرة الأولى هو أننا أمام نص شعري وبعد القراءة يتبين أنه سلسلة سردية من الأفعال مصوغة في قالب شعري ولدته العناية باللغة المكثفة.
إن ما يفعله الزاملي هنا شبيه تماما بما كان يفعله الأديب الشفاهي فهو يلجأ إلى ما يعرف في علم الحجاج بالبيثوس، كسب إعجاب المتلقي عبر اللعب على عواطفه. وأسرع طريقة لذلك هي التخلي عن قوة حجاج (اللوغوس) العقلي الذي تتسم به القصة والاستعاضة عنه بالبيثوس.
الذين اصروا على الموت..
كانوا يمارسون
الهيام والصلاة والصيام
هم…
اضحكونا وابكونا ….
وعاشوا قبلنا الف الف عام
انهم نادموا الورد
وقالوا …
كلاما جميلا يخص الفراشات
وسايروا العصافير والحمام
لهذا لم يموتوا …
مثل غيرهم حتى الآن
أما السمة الثانية فهي القصر الشديد، فمع أن الصفحة الألكترونية تتيح نشر أي نص مهما كان طوله فهي ليست محدودة المساحة كالورق، تجيء نصوص الزاملي الرقمية قصيرة إلى درجة لافتة.
هذه صورة النص كما يظهر في شاشة جهاز محمول، وما يمكن ملاحظته أن النص كتب ليكون بحجم الشاشة ولا يزيد عليها، والتعليل الأقرب لهذه الظاهرة هو الرغبة بجعل المتلقي يلتقط صورة النص الكاملة بنظرة واحدة، فالشاشة في الوعي الجمعي وسيلة لمشاهدة الصور لا النصوص المطبوعة. ومع أن المتلقي يمكنه تمرير الشاشة وقراءة نص طويل فقد ذهب معظم من يكتبون نصوصا خاصة للنشر في صفحاتهم إلى الحرص على أن لا يتجاوز طولها حدود الشاشة.
يتميز موقع فيس بوك بأنه يعطي صاحب الصفحة القدرة على بناء جمهور منتقى عبر طلب الصداقة أو الموافقة على الطلبات الواردة لمن يتفق مع ما بيئة التلقي المرغوب بها. وهنا تأتي السمة الثالثة وهي الحصول على الاستجابة المتمثلة بتعليقات القراء وهذا يقترب من التلقي الشفاهي في هذه الصفة.
وقد عود الزاملي جمهوره الرقمي أن لا يرد على تعليقاتهم ويكتفي بإشعارهم أنه قرأها من خلال وضع شارة الإعجاب. ويكننا مع ذلك أن نلحظ اهتمام الكاتب بتلك التعليقات، فقد اعتاد أن ينهيها بعد 24 ساعة بوضع تعليق ختامي يشكر فيه من قرأ النص وعلق عليه.
إن استقصاء سريعا لنصوص الزاملي الفيسبوكية يبين أن كل التعليقات جاءت خلال أقل من أربع وعشرين ساعة وأن كثيرا منها كان محاولة لبناء استجابة جمالية للنص فكأن النص والردود جلسة عصف ذهني، هذه بعض التعليقات على النص السابق:
يعيشون فينا لأن
ذكرهم شجون
نسيانهم بعيد
مكانهم الفؤاد
سكنهم النعيم..
….
هو العطاء الانساني بدون حدود مغموس بالحب لكل الناس الطيبين ..
القلوب الطيبة يبقى نبضها سرمديا
وعلى الرغم من الأخطاء الإملائية فإن من الواضح أن المتلقي الذي وضع ردا كان قد استفز النص شاعريته وأوجد عنده رغبة في استجابة أدبية. وهذا يكشف عن حرص الزاملي على بناء نمط من الجمهور يمتلك وعيا معقولا بما يقدم له من أدب.
أما السمة الرابعة فهي العناية بإقفال النص الذي يبنيه الزاملي دائما بحيث يكون مفتاحا لفهم النص كله :
ذات محرم …
مشى الولد على سر ابيه
هو يدري …
بان الشعاب قاحلة جدا
ويعرف …
الاقدار والافلاك والمنايا…
ومن دون الماء والخوف
وضع روحه فوق الشمس
ومضى …
الى قاتليه
جملة الإقفال هذه (ومضى إلى قاتليه) مثال نموذجي لإقفالات حميد الزاملي.. فهي ليست نهاية فحسب، بل فرملة توقف تدفق النص وتجعل إمكانية إضافة سطر آخر أشبه بالمستحيلة لأن أي إضافة ستفسد تلك الدهشة في استجابة المتلقي.
هذا المرور السريع على صفحة حميد الزاملي يكفي للإشعار بأن الفضاء الرقمي له قوة تغيير شكل الأدب حتى حين يكون النص مبني على الكتابة ولا يوظف إمكانات الملتميديا التي يتيحها هذا الفضاء من صوت وصورة وأشرطة فيديو. نحن نقف على أعتاب تحولات كبرى في شكل الأدب ستكون ميدانا خصبا لدراسات نقدية تقوم على أسس جديدة أبسطها إعادة صياغة مفاهيم الاتصال.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة