مَن ينصف الفقراء؟

اتصل بي وقال: أنا فلان ، قلت له أهلا أبا فلان أنا أعرفك تفضل ، قال أريد أن أراك لأمر مهم؛ لأني في مشكلة وأرجو منك مساعدتي في حلها ، قلت له ، بالخدمة ، وبعد دقائق قليلة حضر الرجل مستقلا بسيارته الصفراء ذات الموديل الحديث (ليست سايبا بالتأكيد) ، دعوته إلى الدخول لان الجو كان بارداً ، اعتذر ، وقال أنا في مصيبة ! فقد قطعوا راتب الحماية الاجتماعية الذي كنت أتقاضاه منذ عام 2007 .. استغربت كثيراً أن يُشمل هذا الرجل بشبكة الحماية الاجتماعية لان أوضاعه المعيشية ممتازة ، فهو يملك سيارة أجرة حديثة ، ويسكن في بيت ملك ولديه أسواق للتجهيزات المنزلية ومحل لبيع أجهزة الهاتف فضلا عن شواية للسمك «المسكوف» – اللهم لا حسد- .. قلت له أيعقل هذا ؟ ، أنت تتسلم راتب الحماية الاجتماعية ؟؟!!، قال نعم لأني فقير وليس عندي راتب تقاعدي ، وأولادي يدرسون في كليات أهلية !! .. اعتذرت له فانصرف وهو يلعن ويشتم الحكومة مهدداً انه سيجمع الناس ويخرج في تظاهرة عارمة ويقطعون الشوارع حتى يعيدوا إليهم رواتبهم المقطوعة !!
هذه واحدة من القصص أو الحالات التي شهدتها المرحلة السابقة ضمن مشروع الرعاية الاجتماعية الذي كان الهدف منه مساعدة الفقراء وتمكينهم في الحياة ، ولكن المشكلة ان الشمول لم يكن مبنيا على معايير منطقية إنما كان استهدافاً فئوياً شمل العاطلين عن العمل والمعوقين والأيتام القاصرين والمطلقات والطلاب المستمرين بالدراسة وعائلات السجناء والمفقودين والعاجزين ، والأرامل والمهجرين ، بصرف النظر عن إمكاناتهم الاقتصادية والمعيشية ، لذلك فان المعطيات تؤكد أن أكثر من 80% من الأسر المشمولة بنظام الحماية الاجتماعية سابقاً هي اسر غير فقيرة ، وهناك 20% فقط من الأسر المشمولة هي اسر مستحقة ، وهذا يعني أن المعايير التي كانت معتمدة في الشمول لم تكن صحيحة ، الأمر الذي أدى إلى شمول تجار وصاغة ومقاولين وأصحاب (تريلات) وصل عددهم إلى نحو 15 ألفا استبعدوا في وقت سابق -كما أعلنت وزارة العمل- .. وكل هذه الإشكالات التي طبعت الآلية السابقة جاءت نتيجة انتفاء وجود قانون صريح ينظم العملية ، مما استدعى إصدار مثل هذا القانون من اجل إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية وزيادة كفاءته من خلال شمول الفقراء الحقيقيين؛ فجاء القانون رقم 11 لسنة 2014 الذي حدد المعايير المطلوبة ورسم خط الفقر الذي يكون مقياساً للشمول من عدمه.
المشكلة إن إجراء الحكومة لتحسين شبكة الحماية الاجتماعية الذي جاء نتاجاً لرؤية وزارة العمل ووزارة التخطيط ولجنة والعمل النيابية وخبراء البنك الدولي ، قوبل بحملة كبيرة رافضة عزف أصحابها على إن الحكومة تحارب الفقراء في أرزاقهم مستغلين الجانب الإنساني في تحقيق غايات انتخابية وسياسية من دون أن يلتفتوا إلى أن المعايير التي اتبعت في العملية كانت منصفة وعادلة وتضمن حقوق الفقراء الذين هم بحاجة للرعاية بدليل انه سيُشمل نحو 270 ألف فقير بنظام الحماية الاجتماعية لم يُشملوا سابقاً ، أما الذين أوقفت رواتبهم فبإمكانهم تقديم شكواهم فان كان لهم حق فسيحصلون عليه بأثر رجعي .. علينا ان ننظر إلى الواقع بشفافية بعيداً عن تحيزاتنا التي تحجب الرؤية عنا في كثير من الأحايين.
عبد الزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة