الأخبار العاجلة

قصيدتي تسبح وتضحك

أديب كمال الدين

سأشعلُ حرفاً من حرفٍ
حتّى أبقى مُبصراً طوالَ حياتي.
*
سأشعلُ ليلاً من ليلٍ
حتّى أجد الفجر.
*
سأشعلُ حلماً من حلمٍ
حتّى أبني لروحي صَرْحاً من نور.
*
البحرُ قريبٌ جدّاً
بل هو ممتّدٌ كالحلمِ أمامي
لكنّي في القصيدةِ أسمعُ أمواجَه بوضوحٍ أزرق
وألمسُ زرقتَه رملاً يتساقطُ من بين أصابع كفّي.
*
حينَ تنقرضُ شمسُ حياتي
ستمرُّ الريحُ بذاكرتي
فلا تجدُ حرفاً يستقبلها
أو يتأمّلها أو يهبّ معها كما اعتادتْ.
فهل ستحزنُ للحال
أم تمرُّ مرورَ العابر
الذي لا يأبهُ بأيّ كان؟
*
حرفٌ تحدّثَ كثيراً عن القنبلةِ العانس.
فلما كبرَ تزوجَها
وأنجبَ حرباً شعواء.
*
في ذاكرةِ الحرفِ الأخضر
أنَّ الحاءَ هي الحرّيّة والحُبّ،
وفي ذاكرةِ الحرفِ الأزرقِ هي الحقد،
وفي ذاكرةِ الأسْوَدِ هي الحرب،
وفي ذاكرةِ الأبيضِ هي الحاء
بعيداً عن كلِّ أكاذيبِ التأويل.
*
حرفٌ علّمني الشِّعْرَ حتّى أفقدني ذاكرتي
فلما ذهبتُ إليه أعاتبه لم يعرفني أبداً.
*
قصيدتُه دلّتني على بئرِ الموت
بدلاً من بئرِ الحُبِّ أو بئرِ الحكمة.
*
آبارُ الرحلةِ لا تُحصى:
أوّلُها بئرُ الوحشة
ثُمَّ بئرُ الخوف
وبئرُ الجوع
وبئرُ اللذّة
وبئرُ الحرمان
وبئرُ الأنين
وبئرُ المنفى.
لكنْ أنْ تجدَ بئراً للماء
فذلك يعني أنّكَ وجدتَ المصباحَ السحريّ.
*
الحروفُ تنظرُ إلى الورقة
وتقولُ لي ببراءةِ طفل:
لماذا تكتب؟
أرتبكُ من السؤالِ فأردُّ بسرعة:
أنا لا أجيبُ على مثلِ هذه الأسئلة!
*
باعتباري ملكاً للبحر
قرّرتُ أنْ أرسمَ لوحةً للبحر
بحجمِ البحر.
*
ذلك هو المستحيل.
ولذا رسمتُ البحرَ بحجمِ سبعين عاماً
من المستحيل.
*
سأشعلُ ذاكرتي بقليلٍ من الحروفِ والورق
فهي ذاكرة تشتعلُ أبدَ الدهر
ولا تعرفُ الطمأنينة
إلّا كما يعرفُ الشحّاذُ رغيفَ الخبز.
*
هل كانتْ ذاكرتي طائراً تائهاً
يرفرفُ فوقَ رأسي
طوالَ العمر؟
أم نهراً يتصارعُ أبداً
معَ سدٍّ ضخم
أُقِيمَ بمكانٍ سرِّيّ مجهول؟
*
وضعتُ البحرَ في قصيدتي
ففاضَ قلبي وبكى.
وظلَّتْ قصيدتي تسبحُ وتضحك.

*مقاطع من قصيدة طويلة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة