موعد

أنمار رحمة الله

هرب التيار الكهربائي من الغرفة ،غطت تفاصيلها في غيبوبة ضوئية عتيمة. لكن رب الأسرة باشر عائلته بنداء أشاع الطمأنينة في قلوبهم. وصار الواحد منهم يتعرف على الآخر من صوته. علا صوت الطفل الأصغر الرضيع باكياً ،فباغتت البنت الوسط أبيها قبل أن يسرق انتباهه الرضيع هاتفة :(أبي المعلمة طالبتني بنشرة مدرسية أنا وصديقاتي) .فأجابها الأب:(لك هذا يا نور عيني).الابن الأكبر استغل الفرصة مطالباً بحصته :(أبي أين ما وعدتني به حين أنجح في امتحاني ؟.لقد وعدتني بساعة يدوية تزين معصمي).
فأذعن الأب موفياً بوعده مع اعتذار .الزوجة وهي تهود رضيعها نبهت زوجها:( عزيزي غداً بلا شك سوف نعيد ترتيب الحاجيات مع قليل من الخضروات ،وعلبة حليب للرضيع). فرد رب الأسرة بالقبول، وأنه سيذهب غداً إلى التسوق كما رغبتْ.
الأصوات تتدفق صوب أذني رب الأسرة. الرضيع استمر باكياً مطالباً بحصته (الحليب).البنت تغني نشيداً خافت حفظته مؤخراً، الولد يحلم بساعته الجديدة. الزوجة تتأفف لطول فترة انقطاع الضوء وكآبة العتمة. رجع الضوء أخيراً، وحين دلك رب الأسرة عينيه ،لم يجد أسرته حوله!.
انقشع غبش الرؤية رويداً رويداً، اطرق برأسه حزيناً، منكسراً، حين تنحْنحَ (الجدارُ) مُذكِراً إياه بموعد تعليق صورة كبيرة لأربعة راحلين.

صراع

لم يُبنى في قريتنا سوى جامع وحيد ،يلوذ به المحزونون ،ويتسوّر به اللائذون .ولم يكن في الجامع سوى إمام جماعة ،ومؤذن تجفل صلاواتنا من صوته النشاز. ثم ظهر مؤذن شاب، سلب ألبابنا بصوته الرخيم الحنون، حبَّبَ في نفوسنا الصلاة ،أخشع آذاننا لصوت التكبير والتهليل والشهادة .لم يرق المشهد للمؤذن السابق ذي الصوت الناشز، فصار يطوف في القرية يطلق على المؤذن الجديد التُهَمات والبهتان. فاختلط على الناس الأمر ،وتشعب الخلاف ،ودبّت الفتنة. فاحتكم الجمع عند إمام الجماعة ،نفر مع المؤذن ذي الصوت الناشز، ونفر مع المؤذن ذي الصوت الرخيم الخاشع. هناك هتف إمامُ الجماعة في حنق:(حاولوا رفع أصواتكم حين تكلموني … سمعي ثقيل).

السيرك

نزل في مدينتنا سرك ،فيه دواليب وألعاب ومهرجون ،وخيمة كبيرة تتسع لبضع مئات ،تتقافز فيها النمور والأسود ،على حركة للمروض بالسوط يميناً وشمالاً .وكان في السرك أيضاً محلات لبيع العصائر والفطائر وشتى الحلويات والمكسرات. تركتها جميعاً وتوجهت إلى لعبة كانت مركونة في إحدى زوايا السرك، لعبة الأخطاء والنجاحات .كان صاحب اللعبة يضع صندوقين خشبيين ملونين بألوان قوس قزحية ،وكان مكتوباً على الصندوق الأيمن (صندوق النجاحات) وعلى الأيسر (صندوق الأخطاء).وفي كل صندوق عدسة تضع فيها عينك لترى إما نجاحاتك وإما أخطاءك. كان الجمهور من النساء والرجال فقط مهتم بهذه اللعبة ،أما الأطفال فلم يكترثوا بها مفرغين طاقتهم الطفولية في ألعاب المراجيح والدواليب والمزالق .قررت أن ألعب هذه اللعبة .ولكنني تحيرت في أيهما أشارك (الأخطاء أم النجاحات)…؟وحين رأيت أن الجمع متكالب على رؤية نجاحاته ،اخترت صندوق الأخطاء حيث لم أجد منافساً عليه .قبل أن أحشر عيني في العدسة سألني صاحب اللعبة : (هل تريد رؤية كل أخطائك ،أم أشنعها ..؟).فقلت له:(الفادح منها ،حين أتعرف عليه ستهون عليَّ الباقيات).وكان هذا تصرفاً ذكياً كما اعتقدت. حشرتُ عيني في العدسة وقد ملأني عطش الفضول ، ثم تحول إلى آهة تعجب ،حين رأيت صورتي منحنياً على صندوق خشبي ملون ،وإلى جنبي جمعٌ يتنافس على صندوق مُلاصق.

المَسْمَك

كان في مدينتنا مَسْمَك كبير، وكان السماكون يفرغون أحشاء السمك على أرصفة المحال. حيث تتماوج الروائح الزنخة كالأشباح، ويمارس حولها الذباب طيرانه الاستطلاعي. وكان في المسمك قط بني وسخ ،شره، يده طويلة ،وإن لم يجد ما يسرقه، يلتجأ إلى الفضلات بعد إقفال المحال. ذات يوم دخلت البلدوزرات إلى السوق ،هدمت المحال وسوتها بالأرض. ثم أتى رجل مهيب، أشقر ،غريب عن المدينة يرتدي بدلة أنيقة ورباط قصير، وحوله رجال يحملون على رؤوسهم طاسات صفر عميقة. ثم بدأ البناء حتى تحول المسمك القديم إلى سوق حديث ذي محلات فاخرة ،ومقاه راقية، ومطاعم درجة أولى. فاختفت تلك الروائح الزنخة ،والمناظر الكريهة. واختفى القط البني أيضاً. اختفى مدة من الزمن ،ثم رأيناه جالساً في أحدى مطاعم السوق الجديد، يأكل سمكاً معلباً ،وقد تحلَّق حوله خدم المطعم مسرورين بتشريفه لهم.

الوزّان

كان (خريبط) يملك ميزاناً يضعه تحت أبطه ويأتي به إلى سوق مدينتنا .لديه مكان مخصص، يضع ميزانه ويجلس كصياد على نهر من الأشخاص. يأتي إليه الرجال والنساء وحتى الأطفال يزنون أجسادهم، ويضعون ثمن الوزن في طاسة قريبة. بعد مدة أصاب الميزان عطلاً، فلم يعد يميز وزن الأجساد بدقة. فصار (خريبط) يفتي بوزن واحد من عنده. هناك تعجب أهل المدينة ،هل من المعقول أن يكون وزن الناس متساوياً؟!.فثاروا على خريبط مطالبين بتغيير الميزان بآخر جديد. لكنه رفض مصراً على أن ميزانه دقيق ،بل أنه أدق الموازين في العالم. ثم بعد زمن دخل صبي يحمل ميزاناً إلكترونيا إلى السوق ،تحلَّق حوله الزبائن لمعرفة أوزانهم بدقة علمية فائقة. تاركين (خريبط) الذي صار يلعن ويسب الحظ، ويشكك بعبارة:» من قال أن هذا الميزان الجديد أفضل من القديم؟ كل شيء قديم أفضل». فلم يكترث له الناس ،سوى بعض الضِعاف من السقم ،تجمعوا حوله مؤمنين بميزان خريبط الصدئ.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة