رحيل السيّاب ذكرى صامتة

لم تكن مكانة السيّاب الشعرية والثقافية متأتية من اشتغالاته الشعرية فقط، رغم اهميتها وريادتها، بل هو يمثل مرحلة انتقالية من الشعر التقليدي، الى الشعر العمودي، اضافة الى ذلك يمثل حلقة وصل وتلاقح بين الثقافتين: العربية والانكليزية، كونه وازن بين الحداثة الشعرية والتراث الشعري العربي عن طريق قراءته لدعوة اليوت الذي دعا فيها الى استغلال الموروث الشعري لإغناء القصيدة الحديثة. ومن هذا المنطلق يقول اليوت: ان خير ما في عمل الشاعر، واكثر اجزاء هذا العمل فردية هي تلك التي يثبت فيها الأجداد الشعراء الموتى خلودهم. اضافة الى ما رآه السيّاب من ينابيع ثرّة، يحفل بها التراث والتاريخ، ليكون مصدرا لشعره وأدبه.
السيّاب الذي يشكل مع نازك الملائكة نقطة تحول في مسار الشعر العربي، ونقله الى مرحلة جديدة، وعصر جديد، ظل شعره متدفقا، متجاوزا السواتر النقدية العربية، ينتظر أقلاما جدد، تستوعب امواجه. ساهم السيّاب مع نازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري بتأسيس نسق شعري جديد، كان له الريادة الاولى فيه.
وذلك من خلال قصيدته( هل كان حبا). ثم جاء الرأي المخالف الذي يقول ان نازك الملائكة هي التي بدأت بالشعر الحر عبر قصيدتها( الكوليرا). وامتد السجال بين ليشمل الوسط الثقافي العراقي في المقاهي والمنتديات الثقافية في ذلك الوقت، وهي سجالات تعقب ما كان ينشر في مجلتي( الأديب) و (الآداب) اللبنانيتين.
وللناقد إحسان عباس رأي مغاير اذ يقول في كتابه( اتجاهات الشعر العربي المعاصر) : القصيدتان اللتان وصفتا بأنهما بداية الانطلاقة الجديدة في الشعر وهما قصيدة( هل كان حبا) للسياب و( الكوليرا) لنازك الملائكة، لا يصلح اتخاذهما مؤشرا قويا على شيء سوى تغيير جزئي في البنية…. ان اختيار هاتين القصيدتين لدارسة معالم الاتجاهات لهذا الشعر في البداية لن يؤتي نتيجة تلفت الانظار ولهذا لابد من تجاوزهما.
ولم يقف السيّاب عند عتبة الشعر فحسب، بل ترجم من الانكليزية لشعراء عالميين كبار، امثال جاك بريفير وبابلو نيرودا ورامبو وريلكه وغيرهم.
السيّاب الذي انطلق منه اغلب الشعراء، واتخذوا من قصائده نقطة انطلاق لهم، يعاني اليوم اهمالا ولامبالاة من قبل الوسط الثقافي، فكرى رحيله التي صادفت يوم أمس، مرت مرور الكرام على المؤسسة الثقافية والمثقفين. فهل تستذكر الثقافة العراقية رموزها بالنسيان؟
سلام مكي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة