مسؤولية المثقف ما بعد القضاء على «داعش»

الدكتور باسم محمد حبيب

على الرغم من ان دور المثقف لم يتوقف طوال الأزمات والمحن السابقة التي شهدها الواقع العراقي ومنها محنة ظهور داعش وتصدرها للمشهد الأمني إلا انني اعتقد ان على المثقف من يزيد من دوره في المدة التي تلي إنهاء داعش لأن القضاء على داعش لن يتم بمجرد انتهاء المواجهة العسكرية بل لابد من مواجهة أخرى وهي المواجهة الثقافية والإعلامية التي اعتقد انها ستكون مهمة للغاية لإنهاء أي تبعات فكرية أو طائفية أو سياسية يمكن ان تنجم عن هذا الحدث الكبير ولابد ان يؤدي المثقف رسالته في الدفاع عن الوحدة الوطنية وتكريس المواطنة التي ضاعت في خضم البناء السياسي الخاطئ والتناحرات الطائفية والصراعات السياسية ومن ثم فإن دور المثقف سيكون حجر الزاوية في المرحلة التي تلي داعش
اما كيف يحقق المثقف التأثير المنشود فأعتقد ان هذا الأمر يتطلب شعورًا عاليا بالمسؤولية وبأنه أمام حدث تأريخي وعمل انقاذي من دونه سيغرق العراق مرة أخرى بالإرهاب لأن الارهاب لن ينتهِ بانتهاء داعش التي لن تكون إلا جولة من جولاته فهو بالتأكيد يملك الكثير من الأوراق التي سيلعبها في الوقت الذي يراه مناسباً ولذا فإن مهمة المثقف ستكون كبيرة ولا تنحصر بمجرد التثقيف للوحدة الوطنية أو مواجهة الأفكار التكفيرية والتقسيمية بل وفي إيضاح مسؤولية المواطن تجاه بلده مثلما عليه ان يوضح مسؤولية المؤسسات في صيانة حقوق المواطنين وضمانها حتى تكون العملية تكاملية بين ما يجب على المواطن ان يقوم به لأجل وطنه وما تقوم به المؤسسات لأجل خدمة المواطن وضمان أمنه وحقوقه.
ان على المثقف ان يستفيد من دروس المرحلة السابقة فلا يكتفي بنقد السلبيات بل يجب عليه ان يقدم الحلول ايضا فالإرهاب الذي اثر تأثيراً عميقاً على النسيج العراقي وعلى المرتكزات الوطنية والإنسانية ما كان له ان ينجح لولا الضعف الذي شاب الأدوار التي كان من المفروض ان تؤديها الأطراف المعنية بالمشهد العراقي وبالتأكيد فإن المثقف هو أحد هذه الأطراف أو حتى اكثرها اهمية لأن مسؤولياته لم تكن محددة بجانب واحد بل كانت موجهة لأكثر من جانب أمني وسياسي واقتصادي وتربوي وقضائي وكان المفروض ان يبرز نقاط الضعف التي امكن للإرهاب ان يستغلها في تحقيق اهدافه وتوسيع اغراضه حتى بات اشبه بأخطبوط يهدد الجميع ومن ثم لابد ان يدرس المثقف نقاط الضعف في أدائه السابق لكي يؤسس لأداء جديد يحقق من خلاله الأهداف التي ينتظرها المواطن ما بعد القضاء على داعش.
ولأن المسؤولية لا يتحملها طرف واحد فإن على الجميع ان يؤدوا واجباً تبعا لإمكاناتهم ومواقعهم في سلم المسؤولية فمثلما على المثقف واجبات عليه الإيفاء بها على الآخرين واجبات مماثلة لا مناص من ان يؤدوها في إطار واجبهم المشترك فالسياسي مطالب بدور مضاعف في وضع الحلول والمعالجات التي تنهي الواقع العليل الذي تعيشه الدولة وعلى رجل الدين ان يجمع على حب الوطن ونبذ الأفكار التكفيرية والتقسيمية وعلى التربوي ان ينشئ أجيالا نخلصه للوطن ومدركة لمسؤولياتها تجاهها وعلى رجل الأمن ان يضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المساس بأمن الناس فهؤلاء مطالبون بأسناد دور المثقف الذي هو اشمل الأدوار جميعاً لأنه يقتفي اثر السلبيات ويحاول ان يبحث عن حلول لها تقلل من تبعاتها وتوجهها نحو نهايات سعيدة وهو أمر لا يمكن ان يقوم طرف آخر سواه لذا لا يمكن لأحد ان يأخذ مكان المثقف أو يؤدي الدور الذي كان سيؤديه في بناء الوطن وخدمة المواطن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة