ثرثرة فوق الفيل!

هل تصادف وجودك مع رجل أو امرأة يتكلمان كثيراً ولا يفسحان لك المجال وللآخرين بالتحدث أو حتى أن “تنبس ببنت شفة” سواء أحصل لك ذلك في الباص أو في سيارة الأجرة أو في الدائرة التي تعمل فيها أو عند التسوق من مكان ما.. أو عند جلوسك على كرسي الحلاق أو عند حضورك مناسبة اجتماعية أو وليمة غذاء بين الأهل والأقرباء أو عندما تكون في المقهى أو المطعم أو حتى عند حضورك حفل زفاف أو مجلس عزاء لا سمح الله.
هناك من ينفرد في هذه التجمعات أو المناسبات عن الآخرين بعدم توقف “عداد” الكلام لديه عند نقطة ما.. والاستمرار بالثرثرة والكلام في المواضيع التي تعني الحاضرين أو لا تعنيهم.. ليس هذا هو المهم من وجهة نظره وإنما الاهم.. هو إطلاق العنان لـ “لسانه” من دون مراعاة مشاعر أو أحاسيس أو ردود فعل الآخرين أو الحضور!
يقول أحد الاصدقاء إن زميله في العمل طلب مرافقته لزيارة أحد أقربائه الذي يرقد في مستشفى ليس ببعيد عن مقر عملهم، عندما وصلنا إليه.. حاملين باقة ورد “طبيعية” وليست “بلاستيكية ” كما درجت العادة عند البعض.. والكلام لصاحبنا .. وجدنا المريض محاطاً بعدد من أفراد أسرته التي رحبت بنا، وكان عددهم يزيد على تسعة أو عشرة أفراد من مختلف الأعمار والأطوال من الذكور والإناث ويبدو أنهم قد حصلوا على إذن بالإقامة الإجبارية الدائمية الى جانب مريضهم، وما أن نطقت والكلام لصديقي طبعاً.. مستفسراً عن حالة “المريض” وطبيعة حالته الصحية .. حتى انبرى جميع الحضور بالكلام دفعة واحدة، من دون استثناء كأنني أحضر في إحد ندوات “قمع الحريات الصحفية” بحيث انطلقت الألسن وتحركت الشفاه باتجاهنا في آن واحد كرشاقات بندقية كلاشنكوف عيار (7.62) ملم حارق – خارق من دون توقف كأنهم في جلسة استجواب لوزير أو جلسة نقاش حامية الوطيس لمناقشة قانون الأحزاب أو الموازنة الاتحادية، حيث تعالت الأصوات في ردهة الطوارئ شيئاً فشيئاً وسط تنافس أفراد العائلة فيما بينهم على من يصل بفكرته أسرع من الآخر ومن ينجح في رفدنا بالمعلومة – أنا وصاحبي – عن القضية المصيرية.. قبل الآخر، في سباق محموم على ما يبدو للحصول على السبق الصحفي، فكان كل واحد منهم يغني على ليلاه ، بحيث تحولت الردهة الى “خان جغان” أو”حمام نسوان” كما يقولون.. ما أوقعنا أنا وزميلي في حيرة من أمرنا وشتت أنظارنا وأسماعنا ولا ندري على من ننظر أو لمن نستمع فالجميع يتكلمون بشهية مفتوحة يحسدون عليها.. من دون أن نفهم شيئاً من الشفاه التي تتحرك بلا توقف، والطريف في الأمر أن المريض نفسه قد “بُحَّ ” صوته وفشل أكثر من مرة في إيصال فكرته لنا وضاع صوته بين ضجيج وصخب الصراع الحاد بين الحضور.. ولم يخلصنا من هذه “الفوضى” إلا الطبيب المقيم الذي حضر وطلب من الجميع الخروج من الردهة فوراً ، وإنهاء حالة الفوضى والضجيج الذي حول ردهة الطوارى الى مايشبه مدرجات الملاعب وهي تشهد صراع جماهير أندية المقدمة وجدليتهم حول أحقية من يفوز بدرع الدوري !
قيل “إن الكلام كالدواء ان أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه صدع ” !
وهنا أتذكر أن أحد أقربائنا ممّن هو على هذه “الشاكلة” فقد زارنا يوماً.. وما أن جلس بالقرب من والدي “رحمه الله” حتى بدأ بالكلام لساعات من دون توقف وكأنه كان “بالع راديو أو مسجل كاسيت” كما يقول عامة الناس، أحضرنا له الغذاء على أمل التوقف عن الكلام لكن بلا جدوى، كان يأكل ويتكلم في الوقت نفسه بحيث اصيب المرحوم والدي بصداع شديد على إثر ذلك، وللتخلص من هذا المأزق طلب والدي منه أن يأخذ “قيلولة” كي يرتاح ويريح ويستريح، لكن الضيف رد عليه قائلا: “إنه لا يحب نومة الظهيرة” عندها اضطر والدي الى تركه معنا واستأذنه لينام هو في الصالة التي نجلس فيها، على أمل توقف الضيف عن الكلام المباح، وبعد مرور أكثر من ساعة.. أستيقظ والدي وما أن فتح جفنيه.. حتى بادره الضيف.. “هاحجي .. أكيد ارتاحيت شويه ..كوم آني دأنتظرك حتى.. نكمل حديثنا”.. عندها وضع والدي رأسه على الوسادة مرة أخرى وقال: دعوني أنام الى صباح اليوم التالي !
قالوا : إن الثرثار .. إنسان تسأله عن الوقت .. فيشرح لك كيف صنعت الساعة !
هنا نتسآل كم من الذين يحيطون بنا ممن يتصدون للمشهد السياسي والاعلامي والثقافي والمجتمعي الاتعاظ من الحكمة التي تقول : (تعلمت الصمت من الثرثار) !

• ضوء
الإسهال الكلامي.. داء يصيب العقول الفارغة !\
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة