إلى الحضيض در

مع أولى المشاهد التي نقلتها وسائل الإعلام العالمية، عن عراق ما بعد سقوط مارشال الأصنام في ساحة الفردوس؛ تأكدت مخاوفنا حول نوع السيناريوهات المحتملة لما بعد زوال “العصر الزيتوني” الذي ترك وراءه حطام هائل من البشر والقيم والحجر. لقد ضحكت الأقدار على ما رسمته القوى الدولية وبعض الشخصيات المحلية الحالمة بعراق ديمقراطي يكون مثالاً وأنموذجا تحتذي به بقية دول المنطقة والشرق الأوسط. الأمر الذي لم يحظ بالاهتمام الذي يليق به؛ إنهم لم يتوقفوا أمام الجريمة الأساس التي اقترفها النظام المباد، طوال أربعة عقود من هيمنته المطلقة على تفصيلات حياة العراقيين (أفرادا وجماعات)، عندما استأصل كل ما يمت بصلة للمناعة الطبيعية، التي تحميهم من شتى أشكال الأوبئة القيمية والفكرية، فهو لم يكتف بحربه الشاملة ضد التعددية والتنوع الثقافي والسياسي والاجتماعي (روح الهوية العراقية) وحسب بل نفّذ برنامجا شاملا ولئيما استباح من خلاله الى أعماق شخصية الفرد وملاذاته الأخيرة.
من تلقف هذا الحطام وأسلاب النظام المباد، هي قوى وواجهات تعرفنا عليها في بلدان الشتات، وقد برهنت على فشلها وعجزها طوال كل تلك العقود التي استباحت فيه عصابات الإجرام المنظم وحثالاته وطنهم وشعبهم. لذلك لا يمكن أن نستغرب مما آلت إليه أحوال البلد طوال 14 عاما من “التغيير” على يدهم ومشاريعهم ضيقة الأفق، وهذيانات أهدت فلول النظام المباد، كل ما يحتاجونه من مبررات وممارسات وخطابات، كي ينفذوا من العقاب ويستردوا عنفوانهم مجدداً، عبر الواجهات الجديدة، لتنحدر ما يفترض أنه مرحلة انتقالية الى ما كنا نخشى منه على يد قوى وزعامات لا يجربها ثانية سوى الحمقى واليائسين من رحمة الله..!
عندما نتصفح شيئا من تجارب الشعوب والأمم، ومشوار تحولها من الاستبداد الى نظم الحرية والكرامة، نجد أغلبها قد حققت خلال عقد أو عقدين من السنين، تحولات جذرية في حياتها المادية والقيمية (كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا..) عبر مشاريع واقعية وحداثوية، لا كما يحصل معنا على يد هذه الطبقة السياسية، المثقلة بكل ماهو متنافر وحاجات هذا الوطن المنكوب، إنهم لا يهدرون الطاقات والوقت والإمكانات والأرواح وحسب بل يؤسسون لهياكل وتقاليد، ستكلف الأجيال المقبلة جهودا هائلة للخلاص منها. على العكس من تلك التجارب الرائدة، التي شقت الطريق صوب المستقبل عبر منظومة الحداثة المجربة والتشريعات التي تؤسس لما يتناغم والحاجات الواقعية لعصرنا؛ يكرس “أولي الأمر الجدد” كل دهاءهم ومكرهم ليعيدوا إنتاج “فردوسهم المفقود” عبر سلسلة من الخطوات والتشريعات المرحّلة إلينا من القرن السابع الهجري.
هذا الكم الهائل من الآلام والأوجاع الذي رافقنا زمن النظام المباد وبعده، ملايين من الضحايا وأضعاف ذلك من المشردين والنازحين خارج البلد وداخله، من أجل من ولماذا؟
حتى أفضل أشكال الحكم العادل والفاضل لا يستحق جزءا بسيطا من كل ما حصل لنا، والكارثة الأشد؛ أن كل ذلك لم يفض إلا الى غير ذلك، حيث بوصلة القوم ومن شتى الرطانات والهلوسات لا تعرف سوى سبيل واحد هو: الى الحضيض در..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة