أوباما وسياساته التخريبية عند الوداع

د. عبدالخالق حسين
كاتب عراقي
يطلق الاميركيون على رئيسهم في الأسابيع الأخيرة المتبقية من ولايته، بالبطة العرجاء (The lame duck) ولكن الرئيس باراك حسين أوباما يريد أن يثبت أنه ليس بطة عرجاء، بل مازال ناشطاً. لذلك اتخذ قرارات قوية وهو على وشك مغادرة البيت الأبيض، و لكن المؤسف أن غالبية قراراته هذه تخريبية، وآخر قرار تخريبي أصدره هو يوم (29/12/2016) القاضي «بطرد 35 دبلوماسياً روسياً، وإغلاق مركزين تابعين لموسكو يستعملان لأغراض استخباراتية في ولايتي نيويورك وميريلاند، كما وشملت العقوبات تسعة كيانات وأفرادا من بينها وكالتان للاستخبارات الروسية وهما GRU وFSB.. وهذه الإجراءات هي ردا على ما يُعتقد أنه هجمات الكترونية استهدفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في البلاد ضد مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون، وعلى المضايقات المزعومة التي تعرض لها دبلوماسيون أميركيون في موسكو. والغرض الثاني من هذه الاتهامات والإجراءات التعسفية، هو لجعل الحياة صعبة لخلفه الرئيس المنتخب دونالد ترامب، الذي استنكر تلويح واشنطن بفرض المزيد من العقوبات على روسيا قائلا: «من المفترض أن نتجاوز الأمر ونواصل حياتنا»
وردَّ الناطق باسم الحكومة الروسية، أن روسيا لن تتعجل حتى يصبح دونالد ترامب رئيساً للبلاد. ونفى أي تورط لروسيا في القرصنة الإلكترونية، ووصف العقوبات الاميركية بأنها «من دون أساس».
وكان الرئيس الاميركي المنتخب ترامب رفض في وقت سابق مزاعم القرصنة و وصفها بأنها «سخيفة».
لا شك أن أوباما أراد من عمله التخريبي هذا أن يدفع بوتين لاتخاذ عمل مماثل، لتصعيد التوتر بين البلدين، ولإحراج ترامب، و دفع الشعب الاميركي بالضغط عليه لمواصلة الصراع والتوتر، ولكن بوتين كان أذكى منه، فخيَّب أمله، إذ رفض النزعة الانتقامية، وتصرف بمنتهى الذكاء. لذلك، وخلافاً لما كان متوقعاً في هذه الحالات، واقتراح وزير خارجيته في الرد على أوباما بالمثل، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده لن ترد بالمثل، وأن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الرد في انتظار الاطلاع على سياسات الرئيس الاميركي المنتخب، دونالد ترامب، بعد توليه السلطة يوم 20 يناير/كانون الثاني المقبل. مضيفاً:»لكننا لن ننزل الى مستوى دبلوماسية غير مسؤولة» متعهدا بعدم التسبب في»مشكلات للدبلوماسيين الاميركيين». واغتنم بوتين مناسبة نهاية السنة ليتمنى للرئيس أوباما «ولأفراد أسرته عاماً سعيداً برغم كل شيء». كما وجه بوتين دعوة لكل أطفال الدبلوماسيين الاميركيين المعتمدين في روسيا إلى الاحتفال التقليدي الذي يقام في الكرملين بمناسبة عيد رأس السنة وعيد الميلاد لدى الطائفة الارثوذكسية في السابع من يناير/كانون الثاني.
لا شك أن هذا الرد العقلاني أحرج أوباما، وأظهره لشعبه أنه تصرف بحماقة. كما وصرح أحد رؤساء وكالة المخابرات المركزية الاميركية (CIA) السابقين للبي بي سي مساء 30/12/2016، أنه لا يعتقد بتدخل روسيا عن طريق القرصنة الإلكترونية، وأنها غيرت مجرى ونتائج الانتخابات الرئاسية.
والجدير بالذكر أن تزامنت هذه الاجراءات الانتقامية مع اللقاء بين روسيا وتركيا وسبعة من فصائل المعارضة السورية في أستانة، عاصمة كازاخستان، الذي تم فيه الاتفاق على وقف القتال في سوريا، ومن دون مشاركة اميركا. وقال بوتين عقب الاتفاق «إنه جرى توقيع ثلاث وثائق تمهد الطريق لحل الأزمة السورية.» وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ عند منتصف ليلة الخميس/الجمعة، بالتوقيت المحلي (2200 بتوقيت غرينتش)، في أحدث مسعى لإنهاء إراقة الدماء المستمرة منذ قرابة ستة أعوام.
لا شك أن هذا الاتفاق، ومن دون مشاركة اميركا (برغم إعلان تأييدها له)، أغاظ أوباما مما دفعه للإسراع لاتخاذ هذه الإجراءات الانتقامية ضد روسيا، وبوتين بالذات، وهي إجراءات صبيانية من شأنها تصعيد الحرب الباردة بين الدولتين العظميين.
إن اتهامات أوباما ضد روسيا بالقرصنة الالكترونية والتدخل بالانتخابات تفتقر إلى المصداقية، وإذا كانت صحيحة، فلماذا لم يعترض عليها خلال الحملة الانتخابية، ولماذا انتظر كل هذه المدة لأكثر من شهر بعد إعلان نتائج تلك الانتخابات؟
أما بخصوص تأييد رؤساء الاستخبارات الاميركية (FBI) و(CIA)، لهذه الاتهامات، «إلى أن الهدف من الاختراق كان إلحاق الضرر بكلينتون والديمقراطيين لصالح ترامب.»، فيرد الروس أن هذه المؤسسات الاستخباراتية فقدت مصداقيتها، فهي نفسها التي ادعت امتلاك صدام حسين سلاح الدمار الشامل، وعلى أساسها شنت اميركا الحرب عليه، وبعد الحرب أثبتت لجان التفتيش الأممية عدم صحة هذه المعلومات.
إنه لمؤسف أن يغادر الرئيس أوباما البيت الأبيض ويلوث تاريخه بهذه الاتهامات الزائفة، والإجراءات الانتقامية، وهو الذي كان قد وعد في حملته الانتخابية الرئاسية الأولى، بعدم زج اميركا في حروب أخرى، وإغلاق معتقل غوانتينامو السيئ الصيت، وبذل جهوداً لكسب ود العالم الإسلامي بخطابه التاريخي في جامعة القاهرة، في مسعى منه لإلحاق الهزيمة بالإرهاب الإسلامي، وأنه يعمل كل ما في وسعه لإنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي وإحلال سلام عادل، الأمر الذي سارعت لجنة نوبل السويدية بمنحه جائزة نوبل للسلام. ولكنه بعد ثماني سنوات من ولايتيه، فشل الرئيس أوباما في تحقيق أي من هذه الوعود، ما عدا وعداً واحداً فقط، وهو سحب القوات الاميركية من العراق، والذي كان تنفيذاً للإتفاقية الاستراتيجية المبرمة مسبقاً بين العراق واميركا في عهد الرئيس السابق جورج بوش. وأوباما نكث العهد في هذه الاتفاقية، وتلكأ عمداً في تنفيذ بنودها، وأهمها الدفاع عن العراق إذا ما تعرض للعدوان الخارجي. وظهر ذلك جلياً عندما تعرض العراق إلى هجمة داعش في 10 حزيران 2014، والتي كانت نتاج مؤامرة دولية وإقليمية ومحلية، وقال أوباما حينها أنه لم يساعد العراق في حربه على داعش إلا بعد إزاحة نوري المالكي عن رئاسة الحكومة.
ولعل من أهم إيجابيات إدارة أوباما وهو على وشك المغادرة، هي عدم استعمال النقض (فيتو) على قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي أدان فيه إسرائيل، وطالبها بوقف بناء المساكن في الأراضي الفلسطينية، وكذلك خطاب وزير خارجيته، جون كيري، الذي انتقد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتن ياهو بشدة، ووصفه بأنه يرأس حكومة هي أشد يمينية في التاريخ، وأنه يهدد السلام بين الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي، لرفضه الحل القاضي بدولتين.
إن أوباما وهو يتهيأ لمغادرة البيت الأبيض، يطبِّق المثل العراقي: (يا مغرِّب خرِّب)، أو (يا رايح كثِّر من الفضايح). وهذا لا يليق برئيس دولة عظمى مثل أوباما الذي كنا نأمل منه الحفاظ على السلام والوئام بين الشعوب، و من أجل وعوده هذه نال جائزة نوبل. أعتقد أنه خيب أمل الجميع.
يقول الشاعر ابن دريد:
إنـما الـمرء حـديث بـعده …. فـكن حـديثاً حـسناً لمن روى

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة