بوصلة السماء في رواية اللوح الأزرق1

في كل يوم يتعلم المبدع من الواقع واحداث العالم ومصائر الناس دروس الكتابة السردية بجميع فروعها وخاصة القصة والرواية. التلميذ النجيب ينصاع لهؤلاء المعلمين الكبار ويحترم أتفه معلومة ألتقطها ذهنه من البيئة المحلية والفضاء الخارجي. أما اذا تكابر ورفع خشمه على الرحم المعرفي والفكري والسردي وعلى مصادر معلوماته فهو جاهل دعي وناكر للرحم الذي أنجبه. أما اذا أعتبر نفسه العبقري الوحيد الذي يسطع نجمه فوق كوكب الارض فقد حكم على نفسه بالرعونة والجهل والتكلس الابداعي، ولا يصدر منه سوى ضجيج برميل السخف والتفاهة والغباء. وهنا بين أيدينا الدرس الروائي الفريد الذي تعلمه (جيلبرت سينويه) في روايته(اللوح الازرق)، درس إشكالية التاريخ و ومصير العالم وتشظي الواقع المعاصر، ونقله ألينا بكل أمانة ضمير الكون في هذا الدرس السردي. وقد ولد الكاتب في القاهرة سنة(1947) ودرس بها واكمل دراساته الموسيقية في باريس حيث نال شهادة الاستاذية في ألة القيثارة، وصدر له عن دار الجمل رواية( ابن سينا أو الطريق الى اصفهان سنة 1999) ورواية(المصرية سنة 2005)
ورواية( أبنة النيل سنة 2008). يبدو ان(جيلبرت سينويه) ولد بروح شرقية وعقل غربي حين لا يفارق نبع المعرفة وأرض الاديان، ويدخل أساطيرها وخرافاتها وحروبها ودمويتها ويضعها تحت موشور عقله، ثم يبدأ رحلة الايمان والى ضده في محطات تاريخية ومنعطفات مجتمعية وذاكرة جمعية نفسية، كذلك السفر بين تضاريس الانسان وكيف تشكل عقله وزاده المعرفي والروحي، وكيف ستكون رد فعل الغريزة من جبروت الاديان وكيف يكون حال الحب بين السيوف والمدافع وازيز الرصاص. هكذا يسافر القارئ في قطار سطور الرواية.

سطوة الروح
تبدأ رواية(اللوح الازرق) للروائي الفرنسي جيلبرت سينويه، وهي من الحجم المتوسط بـ(564) صفحة تتوغل بنا في دهاليز التاريخ السري غير المكتوب. تبدأ بمهرجان محرقة في مدينة(طليطلة) نهاية شهر نيسان سنة(1487) على أعتاب نهايات الحكم العربي الاسلامي في اسبانيا، وبالتزامن من التحضير لمغامرة الرحالة(كرستوف كولمبس) في حفر اسطورته فوق أرض أميركا برغم معارضة الكنيسة ورجال الدين الكاثولكيين واعتبارها نزوة شيطان وغرور رجل ركبه الجن. وكانت السينورة(مانويلا) صديقة الملكة تحضر الاعدام بالحرق لأول مرة بتكليف من صديقتها. وها قد بدأت مواكب المهرجان بالظهور على شكل صليب ضخكم مغطى بالحرير المتموج فوق ظهور الرهبان الدومينكيين مع قرع أجراس الكاتدرائية والكنائس المجاورة وهي تصك الأذن. ويبدأ دخول المحكومين بالحرق محشورين ملتصقين ببعضهم، يسيرون بعدد يقارب المئة وهم يتعثرون من شدة الانهاك والتعذيب صوب القصاص، وكان بين هؤلاء رجل مسن هادئ الوجه رصين السمات ينظر بعيون ساهمة وثابتة نحو السينورة(مانويلا)، التي شعرت به يرمقها بتلك النظرة الحالمة البعيدة عن جو الرعب والحرق.طبعا، لا أحد يعرف من جميع سكان الارض بأن رجال الدين سيحرقون اليوم أضخم عقل بشري وأوسع روح أنسانية غصت بها حتى السماء.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة