الأخبار العاجلة

الشعر بوصفه سؤالا وجودياً..

خزعل الماجدي
علي حسن الفواز

يقترحُ الشاعرُ خزعل الماجدي كتابة قصيدة استثنائية، مثلما يثير حولها أسئلة فارقة، فالقصيدة هي مادته السحرية التي يشتبك فيها الجمالي مع الاسطوري من التعبيري ، وهي أيضا جوهر وعيه وسؤاله الوجودي، ومنذ أنْ كتب قصيدته الأولى، كتب معها بيانه الشعري الأول، والتلازم ما بين القصيدة والبيان يعني رؤيته للعالم، ولجوهر الشعر، فقد دأب على أن يضع القصيدة في سياق المغامرة، وفي سياق البحث عن التجاوز، عن الروح التي تمتد من أول أساطير الخلق الى آخر حدوس الوجود، حيث تختزل القصيدة المعنى، وحيث تتسع له الرؤيا..
فمنذ قصائده في أناشيد اسرافيل وخزائيل وهو يعلن وجود الشعر الفائق، يثير عبره أسئلة الوجود، ويسافر معه الى آفاق تستغرقه الفكرة والعبارة، حدّ أن القصيد تحولت الى مجاله البؤري الذي قاده الى درس الأساطير والمثيولوجيات والأديان، حيث تمسّ الكائن، مثلما تمسّه القصيدة، وحين يجد الشاعر نفسه أمام هذه اللعبة الفادحة، يدرك أنّ سرّ الكتابة واحد، وهي كنايةٌ عن وعي نافر، عن بحثٍ دائب عن الخلاص، عن لحظة وجودية تنطوي على مكاشفة، قد تُفضي بالشاعر الى امتلاك رؤيا للعالم، قد تكون هي ذاتها فكرة امتلاك(ارادة العالم) التي تحدث عنها لوسيان غولدمان..
أسطرة القصيدة..
لا يمكن الحديث عن تجربة خزعل الماجدي خارج لعبته في أسطرة القصيدة، إذ تبدو هذه الأسطرة وكأنها جوهر حريته في الكتابة، وأقصى إحساسه بالجمال، وحتى كتابته القصيدة(الغنوصية) في كتابه الشعري(خزائيل) تحولت الى ما يشبه الكتابة اللانسقية، حيث يدرك الشاعر من خلالها أنْ هذه الكتابة هي وجوده، وأنّ دأبه على استدعاء أساطير الخلق والموت والجنس في نواة مشغله الحفري في الأساطير والأديان، لاسيما حفرياته في العقل الشعري والعقل الأسطوري..
صدور مجموعته الكاملة تعكس أهمية تكامل تجربته، تلك التي لا يمكن فصل الكتاب الشعري فيها عن الكتاب الأسطوري، وعن الكتب التي تخص اشتغاله في مجال التراث الهرمسي والمندائي والغنوصي بوصفه المعرفي والعرفاني، فضلا عن كلِّ اشتغالاته في الصوفيات وفي السومريات..
البحث عن المرجعيات الأسطورية والغنوصية للشعر تحوّل الى هاجس عند الماجدي، تحتشد فيه الكثير من العلامات والرموز والطقوس والمراثي، تلك التي استلهمها الشاعر وهو يبحث عن الالماعات والفراديس والأنوثة الخالقة كما عند ليليت، حيث التنافذ ما بين الطقوسي والشعري، وحيث تستغرق القصيدة شفرات تُحيلها الى عالم الكشوفات الكبرى، وحيث تتحول الكتابة الى ما يشبه(النص المفتوح) كما سماها الماجدي، بوصفه نصا متعاليا، نصا تتسع فيه الرؤيا، وتتسع عنده مرجعيات الشاعر..
المقدّس والشعري..
الشاعر الماجدي يستعيد الشعري في سياق استعادة الرؤيا، وفي سياق تأمل الوجود، مثلما أنّ الماجدي يستعيد المقدّس من منطلق وظيفة هذا المُقدّس الذي يبدو شغفا بفكرة الخلاص والتطهير، ووعدا بالاكتمال والتعالي، وهذه التوليفة في البنائية الشعرية تُعطي لتجربة الشاعر فرادتها وخصوصيتها، وسعيا لتمرده على نمطية الكتابة الشعرية..
نزوع الشاعر الماجدي لتوظيف مرجعيات المقدس والأسطورة والمثيولوجيا والفلكلور ومدونات الخلق الرافدينية القديمة تنطلق من وعي الشاعر بفاعلية هذه المرجعيات بالكشف عن روح الشعر، وعن علاقة الخلق الشعري بالخلق الوجودي، وسر الإنسان بسرِّ اللغة، إذ كلاهما يمارسان لعبة التكوين، والسيرورة، وينكشفان على عالم تتشكل فيه الصور وتتراكب فيه الأبنية..
هذه الخاصية وسمت تجربة الشاعر بالتجديد والتجريب من جانب، مثلما دفعته لمقاربة فكرة الخلق في الأديان القديمة، من خلال علاقتها بالخلق الشعري، وبإستكناه حمولتها الرمزية، والذي أعطى لها توصيفا نقديا من خلال مايقترحه لمفهوم الشعرية، ليس بمرجعياتها الأرسطية بل بقدرة هذه الشعرية على أنْ تكون عنصرا مهما من عناصر تشكيل ظاهرة الكتابة عند خزعل الماجدي، وهي ظاهرة لافتة في تاريخ الشعر العراقي المعاصر..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة