مانعات التعلم

بعد تجارب مريرة مع الكوارث الطبيعية وخاصة ما تخلفه الصواعق من خسائر في البشر والحجر، وجدت المراكز العلمية حلا لها عبر استعانتها بما عرف بـ (مانعات الصواعق) والتي توضع على قمة الابنية والابراج وناطحات السحاب، لتلقف شحنات الصواعق وتفريغها بنحو آمن. مثل هذه المانعات ظهرت منذ زمن بعيد في مضاربنا، لكن بوظائف واستعمالات اخرى، محورها الاساس حجب أي فرصة لتسلل الافكار والعلوم الحديثة، والتي ترجمها بدقة اشقاؤنا في نيجيريا بعبارتهم ذائعة الصيت (بوكو حرام). ما صرحت به الحركة التي اشتهرت بذلك الاسم في نيجيريا في الاعوام الاخيرة، رافقنا منذ وقت مبكر، لكن بصيغ ملطفة؛ مثل “الغزو الفكري والثقافي” أو “الافكار المستوردة” أو “الافكار الغريبة” وغيرها من المصدات الكابحة لكل ما يمت بصلة للحداثة ومنظومتها القيمية والروحية المنسجمة ومستلزمات العصر. عاقبة كل ذلك هو ما نشاهده من ماراثونات النكوص الى الوراء، خلف ادعاءات الحفاظ على ثوابت الامة ورسالتها الخالدة.
ان الموقف من علل تقدم الامم الاخرى وتخلفنا، شغل غير القليل من المهتمين في هذا الشأن مثل الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده والزهاوي وجرجي زيدان الذي وضع كتاباً تحت هذا العنوان (لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون) وبعد أكثر من مئة عام اعاد الدكتور محمد البرادعي السؤال بصيغة اخرى في مقالته (نحن لا نتعلم)، بعد تجربته مع ما اطلق عليه بـ (الربيع العربي)، حيث شهد النتائج المخيبة التي تمخض عنها، وكيف تلقفت قوى المحافظة والتقليد زمام المبادرة فيه، لتعيد انتاج النظام القديم بواجهات جديدة. ما نشاهده اليوم من شغف واحتفاء بكل ما يمت بصلة للماضي كأفكار وعقائد وممارسات وسلوك، يعكس واقع الهيمنة الراسخة لمؤسسات القديم، التي لم تتعرض لاي ضرر جدي من ممثلي قوى الحداثة والتجديد، حيث برهنت الاحداث عن هشاشتها وهزالة تأثيرها في المجتمعات التي شهدت ما يطلق عليه بـ (الصحوة الاسلامية) وما رافقها من عنفوان على طريق نبش الماضي واعادة الروح لثاراته الصدئة. وسط هذا العجاج لم يبق اثر لتلك القافلة من التنويريين الأوائل ومشاريعهم حول التنمية والحداثة ومناهج التعليم الحديثة، لتحل مكانهم قوافل “التكفير والهجرة” وجيل جديد من “المهاجرين والانصار” وهذه المرة في بلاد الافغان والباكستان، لينتقل الوباء لبقية المضارب المسكونة بمانعات التعلم.
ما كان لهذا النوع من العقائد والمخلوقات ومشاريعها الماضوية ان تحقق كل هذا النفوذ، لولا العجز والترهل الذي لحق بعقول وضمائر شعوب وقبائل هذه البلدان، ولولا قشرية من تنطع لمهمات التنمية والتحديث وهشاشة علاقته مع ما تحتاجه تلك التحولات من وعي وايثار ومسؤولية في التصدي لها، كما حصل في بقية التجارب الانسانية التي واجهت مثل تلك التحديات. ما نشاهده من نفوذ لمؤسسات ما قبل الدولة وممثليها (شيوخ قبائل وزعماء طوائف وملل) وغير ذلك من تجليات التخلف والاغتراب عن حاجات عصرنا؛ تؤكد الحاجة لمراجعة الاسباب والقوى والعادات والتقاليد الكابحة لابسط تطلعاتنا المشروعة في القبض على فرصة اخرى لاعادة تنظيم صفوفنا بعيداً عن مؤمياءات الماضي ومصداته وثاراته الصدئة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة