الأخبار العاجلة

رائحة الورق!

جلست ، قبل يومين ، على قارعة الطريق صحبة العم (أبو رحيم) أشهر بائع للصحف على وجه العراق .. ونهضت بعد ساعة كاملة من وسط ركام العشرات من الصحف حزينا معترفا مرة أخرى بأن العاطفة وحدها هي التي تجمعنا اليوم برائحة الورق وحبر المطابع ، وأن المستقبل كله للصحافة الإلكترونية ، وهي شرعة جديدة يفرضها التطور والسباق الرهيب نحو جديد العلم على صعيد الاتصال والتواصل!
* * *
(لا داعي للمكابرة) .. قلتها للعم الذي جاوز الثانية والثمانين من العمر ، ومازال صامدا في محله قرب مدخل شارع الحرية الرئيسي منذ عام 1970 .. وقلت : لم أجد بين روادك إلا كبار السن ممن يتبخترون بالبيجاما والروب كأنني في مشهد لفيلم عربي بالأبيض والأسود ، روادك الذين احالهم الزمن على التقاعد وأتقن وجوههم وأعرف حرصهم على اقتناء جريدة الصباح ، يتأبطونها تحت اليد التي تحمل صحن القيمر الشهي!
كان رد حبينا (أبو رحيم) ايماءة فصيحة من رأسه بالإيجاب .. فحين امتهن الرجل بيع الصحف قبل 46 سنة كان يبيع 8 رزم من الصحف اليومية الأربع في ذلك الوقت ، كل رزمة تحوي 250 نسخة .. أي بما مجموعه 2000 نسخة ، غير تلك الصحيفة الرياضية اليومية التي كانت المئات منها ، نهبا يستولي عليها القراء منذ الخامسة صباحا حين ترمي سيارة الموزع رزم الصحف على الرصيف أمام المحل المغلق ، ويتناول الناس نسخها ويرمي كل منهم بالنقد المعدني ، فلا أحد يسرق من ركام الصحف ، ولا من صرة النقودالتي تتجمع ، دون رقيب!
* * *
ذهب ذلك الزمن الورقي! فقد صدمني عمنا المخضرم بحقيقة أنه لا يبيع اليوم سوى سبع نسخ من الصحيفة الرسمية الأولى ونسخة واحدة من الصحيفة الرياضية يطويها ويدّخرها للمشترك الوحيد بها .. وفي إمكاناك أن تحكم على مصير كثير من الصحف الأخرى التي تفترش الرصيف تشكو عزوف الناس عنها ، فيما يتجه الشاب وكل من لحق بقاطرة العلم والتكنولوجيا إلى النت لكي يقرأ ما يشاء من الصحف وقت يشاء ، وهو يتمدد كسلا أو دلالا على الأريكة ، وبالمجان!
* * *
مازالت صحافة الورق تقاوم ، وتمانع ، وترفض الهزيمة أمام زحف الانترنت .. فيتحول أصحابها وناشروها إلى مغامرين حقيقيين لا همّ لهم إلا الوصول إلى قارئ تتضاءل أعداده ، فيما نزف المال مستمر .. حتى أن كثيرا من الأحزاب التي راهنت على صحفها بأموال الشعب العراقي ، أقرّت بهزيمة الورق والحبر أو أنها في الطريق إلى الإقرار بأنها لن تبيع بعد اليوم سوى نسخ متفرقة لا تستخدم للقراءة أو المطالعة في أحسن الاحتمالات ، حين ينتظرها في الغالب زجاج النوافذ!.

* كتاب أيام الكرة العراقية
علي رياح

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة