صراع في أعماق البحر لفك النحس

العجوز والبحر..
الهام الطالبي

أرنست همنغواي في ملحمته الانسانية العجوز والبحر التي نشرها ماكسويل بيركينز في 1952 وبلغت عدد النسخ في طبعتها الأولى 50.000 نسخة وحصدت في شهر ماي من عام 1952، جائزة «بوليتزر» العالمية. ثم نال بفضلها، جائزة نوبل للآداب سنة 1954 ، جميع هذه النجاحات التي حظي بها ارنست همنغواي كانت ثمار لإبحاره في اعماق الذات الانسانية ، مبرزا خفايا العلاقات الاجتماعية .
وبالرغم من أن رواية العجوز والبحر كانت قصيرة وذات حبكة بسيطة ومحورها شخصية واحدة وسمكة. كما أن المكان فيها محدود: القرية والبحر. والزمن قصير: ثلاثة أيام بيد أن مؤلف رواية ’ وداعاً أيها السلاح تمكن من تأثير في القارئ واقحامه داخل عالم الرواية عبر وصف دقيق و حوارات تحمل في طياتها عبر ودلالات وهذا ما يجسده حديث سانتياغو مع ذاته وهو في عمق البحر يتطلع الى الطيور الصغيرة قائلا ’لماذا خلقت الطيور الصغيرة بهذه الرقة والمحيط بهذه القسوة ان المحيط رقيق ورائع لكنه يستطيع ان يكون قاسيا ويتغير على هذا النحو فجأة مثل تلك الطيور المحلقة تغوص وتتصيد …انها بأصواتها الرقيقة الحزينة ارق من ان تواجه البحر ’
كان العجوز مغرما بالأسماك الطائرة لقد وجد فيهنَّ صديقاته الاثيرات وسط المحيط كان يشعر بالأسى والشجن من اجل الطيور وخاصة طيور الخرشة المائية الرقيقة السمراء التي كانت دائمة التحليق فوق الماء باحثة عن رزقها بدون ان تظفر بشيء كان يعتبر أن الطيور تعيش حياة أقسى من حياتنا نحن البشر فيما عدا الطيور السارقة والطيور الضخمة ثقيلة الوطأة .
لم يكن يتعامل العجوز مع البحر كعدو بل كان يعتبره انثى يسميها ’لامار’ جراء عشقها لها وتسامحه مع غضبها وتقلباتها التي يعتبرها صادرة عن عدم تحكمها في نفسها ، وبرغم من عشقه لأنثاه فانه لم يظفر بأية سمكة منذ أربعة وثمانين يوما مضت ما جعله يوصف بالمنحوس في القرية ، ليتركه بعد ذلك الصبي الذي عمل معه بطلب من والداه مبررين ذلك بالنحس الذي اضحى مرتبطا بالعجوز ولا يفارقه .
’مست كبد الصبي لوعة الحزن وهو يرى العجوز يجىء كل يوم بمركبه خاويا ’ بهذه العبارة يصف الحائز على جائزة نوبل علاقة الصبي بالعجوز الذي ظل وفيا لسانتياغو ويسأل عنه ويحزن لحاله ،كما كان يرعاه ويستمع لحكاياته عن البيسبول وفريق اليانكي .
قرر العجوز طي صفحة الشؤم ومواجهة البحر وقرر الذهاب بتحديه إلى تخوم النهايات تطلعاً لتغيير ، كان كل شيء فيه عجوز ماعدا عينيه النافذتين كانتا بنفس لون البحر ويطل منهما المرح والهزء بالإخفاقات، لم تستمر مغامرته طويلا لأنه سرعان ما ابتلعت سمكة ’مارلين’ الطعم ، لكنها لم تكن صيدا سهلا بل تسببت ضخامتها في تحديات وجهها العجوز بالعزيمة على عدم تركها تفلت .
وفي صراعه مع لمارلين كان يعبر عن احترامه وتقديرها لها لرفضها عدم الاستسلام معتبرا أنها خصم نبيل وشريف ،ويناديها بالأخ، وبعد اليوم الثالث انهكت مارلين وتعبت ،حيث كانت تسبح بحركات دائرية ، ما جعله يشعر بالأسف لأنه حان وقت قتلها فهو صياد عليه ان يثبت قدرته على الصيد ويمحو صورة النحس الراسخة لدى الصيادين .
وعقب ذلك انقلبت الامور واخذ العجوز مكان مارلينته في صراعه مع سمك القرش الذي جذبه خط ادماء السمكة الذي خلفته وراءها على صفحة المياه ، غير ان قتال العجوز كان من دون فائدة، ما أدى إلى نهش القرش لسمكته وافتراس كامل جسدها حين كانت تُسحب خلف مركب الشيخ .
لم تتمزق عزيمة الصياد الكوبي كما تمزق عضله ، وما تستخلصُ إليه في هذه الرواية ان من يستحق وصفه بالبطل ليس من يكون الفوز حليفه بل البطل هو من لا تثنيه الصعوبات عن التمسك بمبدأ العمل المتواصل، كأن في ذلك يتفق همنغواى مع جان بول سارتر فالأخير يرى بان كل الكائنات تسبق ماهيتها وجودها ماعدا الإنسان فهو يكتسب الماهية بوجوده. ختم ارنست الرواية بعودة العجوز الى الشاطئ في فجر ، حيث لم يكن القرش قد ترك من «مارلينته» سوى هيكل عظمي.. فنزل الشيخ من القارب منهكا خائر القوى يحمل صاري مركبه على كتفه متوجها إلى كوخه ، وفي الخارج، حيث كانت تقبع السمكة، ، تجمع الصيادون والأهالي وبعض السياح، حولها، بعد ما قاسوا طولها الذي بلغ 18 قدما ، أدرك الجميع حينها أن العجوز المنحوس اصطاد سمكة لم يستطع أحد صيدها من قبل ، بينما العجوز يحلم بأشبال الأسود .
هكذا سافر بنا ارنست همنغواي مراسل الحرب الذي غطى خمس حروب بروايته في اعماق العجوز سانتياغو ، نجح مؤلف رواية ’الشمس تشرق أيضا ’ في رسم لوحة انسانية بطلها الكفاح ، ويشار الى أن همنغواي استفاد من خبراته الصحافية في صياغة هيكلية عمله الروائي ،وذلك يتمثلُ أكثر في المقاطع التقريرية ، .
بيد أن مؤلف هذه الملحمة الانسانية التي تغص بالكفاح قرر ان يضع حدا لحياته وهو في أوج عطائه و شهرته مفجرا دماغه ببندقية كان والده اشتراها له في سن مبكرة و ذلك في 2 من شهر يوليو 1961، و لم يكن أول من ينتحر في عائلته حيث أن الانتحار على ما يبدو كان متوارثاً إذ انتحر قبله والده و عمه و شقيقتاه و من بعده انتحرت حفيدته ، ليخلق بذلك صدمة لعشاق العجوز والبحر .
لم يكن ارنست مؤلفاً عظيماً فقط ، بل كان يرمز الى الرجولة والتمرد كان بطل الحرب والصيد والرياضة بيد أن خلف هذه القوة الظاهرة للعيان تقبع شخصية ضعيفة ،ضحية للإدمان، شخص فاشل في الحب و يقول عنه وليام والتون، وهو طبيب نفسي أنه كان مهووساً مكتئباً طيلة حياته، كما أن هناك علامات تشير إلى أن همنغواي كان يعاني من حالة نفسية تدعى ثنائية القطبية حيث أنه كان يستمتع بإيذاء نفسه فكان يُنفق ماله في لعب القمار و شرب الخمر و حياة اللهو و المرح و عاش ثلاث زيجات باءت كلها بالفشل ، كما أنه كان يعاني من صعوبة الاحتفاظ بالصداقات .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة