جوائز من هذا الزمان

كما هو حال نجوم هذه المرحلة المتخمة بكل ما هو بعيد عن السلوك والمعايير والقيم المتوازنة التي عرفتها المجتمعات والدول في مشوارها الحضاري، كذلك هو حال المخلوقات التي تحصد جوائز مؤسسات وواجهات الزمان الحالي. لم يعد هناك ما يؤرق ضمير وعقل جهات عديدة ومنها أكاديمية، عندما تمنح جوائزها كأفضل كاتب أو مبدع أو غير ذلك من التسميات؛ لمخلوقات كل مواهبها تكمن في الإساءة للمهنة التي تطفلت عليها في غفلة من الزمن. كذلك نشاهد طفح من الجوائز تمنح لصحف ومطبوعات ومنابر أخرى بوصفها ارتقت الى السنام الأعلى في المهنية والإبداع، وكل صاحب إنصاف ومروءة يدرك حجم البؤس الذي تعيشه مثل تلك المؤسسات البعيدة كل البعد عن أبسط معايير المهنية. مثل تلك “الجوائز” لها جانب إيجابي لا يمكن نكرانه؛ ألا وهو تعريف الأجيال المقبلة، بأبطال ونجوم هذا الزمان، من الذين تمكنوا من كسب رضا المؤسسات والجهات النافذة في زمن الطاعون القيمي ومعاييره.
من خلال ما يحصل في المجال الأشد فتكا في حياة الشعوب والأمم (الثقافة) يمكننا التعرف على الإمكانات الواقعية لها، في التقدم أو المراوحة أو التقهقر. وما حل بهذا المجال الحيوي زمن “جمهورية الخوف” لا يحتاج الى معونة أممية كي نتفق على حجم الانحطاط الذي انحدر اليه، كما أن من تلقف مقاليد الأمور بعد “التغيير” لم يختلفوا كثيرا في الموقف منه، وتجربة 14 عاما على زوال النظام المباد، تؤكد نوع الاهتمام الذي حظي به من فرسان حقبة الفتح الديمقراطي المبين. يكفي نظرة سريعة على نوع المخلوقات التي امتطت سنام المسؤوليات العليا للمؤسسات الثقافية والإعلامية وتنظيماتها ونقاباتها وجمعياتها؛ حتى نتأكد من الكارثة التي حلت بهذا الميدان الحيوي بعد عمليات إعادة التدوير التي أعادت إنتاج كل ما هو متنافر ومغزى الثقافة ومشروعها الذي لا ينهض إلا بسواعد وعقول وضمائر لم تلوثها اصطبلات الترويض بالأمس واليوم.
مثل هذه الممارسات لم تهبط على مضاربنا من كوكب آخر، ومن تصفح قليلا في أضابير المسخ المبرمج للضمائر والعقول، وأسواق النخاسة والارتزاق في هذا المجال الحيوي (الثقافة والفكر)؛ يجدها تستند الى إرث ممتد لأكثر من ألف عام وعام، حيث تتم محاربة وتهميش العقول والضمائر الحرة لصالح ضدها النوعي من مسوخ القرطاس والقلم. ومن سوء حظ سكان هذا الوطن المنكوب، أن تقع مقاليد أمورهم بعد زوال حقبة الدكتاتورية والإجرام، بيد طبقة سياسية لا تقل كرهاً وبغضاً للثقافة والفكر النقدي والفضول المعرفي، عن سدنة النظام المباد. وما مثل هذه الاحتفالات المخصصة لنفخ المزيد من فقاعات الثقافة والإعلام، عبر منحها الجوائز والمناصب والألقاب العلمية والأكاديمية، وتسليط الضوء عليها وغير ذلك من وسائل الدعاية والترويج؛ إلا دليل قاطع على موقف هذه الطبقة وأدواتها وواجهاتها المهيمنة على المشهد الراهن، من الميدان المسؤول عن التحولات الجذرية في حياة الشعوب والأمم. مثل هذه المظاهر تعكس حجم اللامسؤولية والاستهتار الذي انحدرت اليه أحوالنا بعد 14 عاماً على ما يفترض أنه مرحلة انتقالية صوب الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون التي تعيد الحق لأهله، بعد مشوار طويل من العبودية والإذلال وهيمنة حثالات ومسوخ البشر، غير أن شراهة وضيق أفق هذه القوافل أهدرت تلك الآمال المشروعة لصالح جيل جديد من الزواحف الثقافية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة