اكتشافات نائب الرئيس..!

في الوقت الذي نواجه فيه رأس رمح الإرهاب وعصاباته الإجرامية (داعش) ونخوض حرباً ضدها بإسناد واسع ومكثّف من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ يخرج علينا نائب رئيس جمهوريتنا السيد نوري المالكي ومن عاصمة الجمهورية الإسلامية (طهران) بدفق من التصريحات التي تعيد اكتشاف نظرية المؤامرة، ودسائس الشيطان الأكبر وإسرائيل وحلفائهم في المنطقة، ضد الدول الإسلامية وأمنها واستقرارها. تصريحات متناغمة وخطاب المتشددين في الجمهورية الإسلامية، إذ يكتشف السيد المالكي أن حليفنا الأول في الحرب ضد الإرهاب؛ هو من صنع القاعدة وداعش (إن صناعة داعش والقاعدة كانت أحد مشاريع الأميركيين والإسرائيليين من أجل ضرب أمن الدول الإسلامية وزعزعة استقرارها) وختم تصريحاته بزفه لبشرى عظيمة لرعايا “خير أمة” (بأن هزيمة داعش في العراق وسوريا ستمثل نهاية المشروع التكفيري في المنطقة) والتي تذكرنا بالتعويذة المشهورة (الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة).
مثل هذه الخطابات ذات الشحنات العقائدية والتوجهات المسبقة، يمكن أن تكون طبيعية إن صدرت عن زعيم حزبي آيديولوجي، ما زال مسكوناً بخطابات حقبة الحرب الباردة وما خلفته من شعارات انتهت صلاحيتها منذ زمن بعيد، لكن أن تصدر من النائب الأول لرئيس جمهورية البلد الذي تخوض قوّاته المسلّحة مع قوّات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، أشرس وأوسع حرب ضد الإرهاب، فإن ذلك يشير الى عمق المأزق الذي يعيشه مشروع الدولة العراقية الجديد، وفقدان من يمثّلونه للمستلزمات التي يفترض توفرها بالمسؤول الرسمي. تصريحات أقل ما يقال عنها أنها مفارقة للحكمة والحنكة والحرص في التعاطي مع مثل هذه القضايا الحساسة، وهنا نحاول أن ننعش ذاكرة السيد المالكي عندما كان رئيسا للوزراء العام 2009 وتعرضت العاصمة بغداد لسلسلة من الحملات الإرهابية الدامية، وكيف توترت العلاقة مع دمشق التي كانت آنذاك تشكّل البوابة الرئيسية لتسلل الإرهابيين الى العراق. أما اليوم فيعدّها المالكي حليفاً أساسيا في الحرب ضد العصابات نفسها..؟!
كما أشرنا سابقاً، يمكن لممثل حزب ما من إطلاق مثل هذه التصريحات المختلفة، لكن تصريحات المسؤول الرسمي محكومة بسياسة الدولة ومصالحها الاستراتيجية، وهذا ما لم يعيره نائب رئيس جمهوريتنا أدنى اهتمام، في تصريحاته الأخيرة من طهران. لسنا بصدد الحفر مجددا بمغزى هذه الخطابات التي تلقى بكل موبقات مجتمعاتنا الراكدة على شماعة الشيطان وسلالاته ومؤامراته ضد أمن واستقرار فسطاط السلام والإيمان، لأن مثل هذه المواضيع قد تم التطرّق اليها مراراً، كما أن التجارب المريرة مع مثل هذه المشاريع العقائدية ومحاولات بعث مؤمياءات الماضي، قد برهنت وبما لا يقبل الشك عن العلل المحلية التي تقف خلف كل تلك الكوارث التي شهدتها مضاربنا المنكوبة في العقود الأخيرة والتي شهدت ما عرف بالصحوة الإسلامية والمشاريع الإسلاموية من مختلف البيارغ والرطانات. كما أن هزيمة داعش العسكرية في العراق وسوريا، لن تمثل النهاية بالنسبة للمشروع التكفيري في المنطقة كما جاء في تلك التصريحات الحماسية والمتفائلة للمسؤول العراقي الرفيع، لأننا نعرف جيداً حجم الاحتياطات الهائلة من كثبان الكراهة والبرك الآسنة، التي تستند اليها مثل تلك المشاريع والتي لا تحسم بالرصاص والأهازيج والبارود، بل بسبل أخرى طرقتها الأمم الحرة، بعيداً عن تهديد القبضات المشدودة وصرخات (الموت لأميركا والموت لإسرائيل وعاشت فلسطين حرة أبية..!).
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة