مفاعل الشعر النووي

شهدت الكثير من السجالات والمعارك (الثقافية) وخاصة في جبهات قاطع الشعر حيث تتجحفل قوات فيلق الشعراء .ينشب القتال احياناً لمجرد هبوب رياح نثرية معتدلة السرعة مع احتمال حدوث زخات ابيات شعر مصحوبة بزوابع رعدية ويستمر تبادل القصف المدفعي لسنوات بين قوات الشعر العمودي وقوات الشعر الحر وتشتبك ضد الاثنين قوات قصيدة النشر مستخدمة اسلحة متطورة مثل راجمات الرؤيا وصواريخ الايقاع الداخلي فهرب جمهور القراء من شدة القصف ولاذوا بجبهات الرواية والقصة القصيرة الهادئة نسبياً يحتمون بملاجئ السرد العالمي لئلا تسقط عليهم قنابل عمودية وقذائف التفعيلة وشظايا قصيدة النشر.
كنت وهادي السيد- حين كان مدججاً بأسلحة التهكم والسخرية قبل ان يسقط مدمناً بالضربة القاضية للخمر المغشوش_ لا نخرج من باب البيت حتى نطمئن الى خلو الشارع من شاعر قد يهددنا بقصيدة جديدة ويشبعناً صفعاً ولكمات و(جلاليق) بإلقاء هذه القصيدة على رأسينا. نخرج متسللين خائفين ولولا الحياء والعيب لتنكرنا بعباءات امهاتنا، نلبد خلف اعمدة الكهرباء ونتختل جنب الحيطان حتى نصل الى الشارع العام لنصعد في سيارات باب المعظم وقلوبنا لا تزال تتوجس شعرا فقد يباغتنا شاعر في السيارة ويثرم على رؤوسنا بصل قصيدته، رافعاً طبقات صوته وهو يلقي ابياتها ليرغم جميع الركاب على سماعه ويعتقلهم بين لسانه وكأن القصيدة لعنة يخضع لها كل العراقيين مثل الخدمة العسكرية. هذه المعارك ليست عصرية وبنت اليوم بل عندنا ارث يطم الافاق من حروب الشعر فكانت قبائل العرب تحتفل في مهرجانات تستمر شهوراً اذا ولد في القبيلة شاعر لأنه سوف يجعلها زينة الدنيا وما خلق الله الكون الا (لخاطر عيونهم) ويدافع عن قبيلته بكل ترسانات اسلحة الفخر والعز، لكن العار والذم والشنار لأعدائها كما يفتخر ابو الطيب المتنبي : واني لمن قوم كأن نفوسهم / بها آنف ان تسكن اللحم والعظما. واخيراً قتلته رصاصة طائشة من احدى قصائده مع ابنه المحسد الذي لا ذنب له سوى كون ابيه شاعر. مات خلق كثير وهاجر اكثر بسبب قصيدة في أيام العرب الاولى ونشبت حروب عالمية بين القبائل طارت فيها الرؤوس والاذرع ودمرت اجيالا وسلاسل متصلة من الثارات بسبب قصيدة هجائية تطور شرها وتفاقم امرها حتى اهلكت الحرث والنسل مثل (عركة زعاطيط) بين الجيران يتدخل فيها الكبار ويخونهم العقل فتصير مجزرة حين تلعلع الرشاشات ويختبئ العقل، فهل الشعر احد اسباب تخلف العرب، كيف يمكن ان يكون خطراً لهذه الدرجة لو كان الشعر طاقة تحرر الذات من السجون الداخلية وتحرر الاخر من سجونه الخارجية لماذا اذن يصير بهذه الخطورة؟
صحيح ان الشعر طاقة مثل الطاقة النووية ويعتمد على كيفية استخدامه، هل يعني هذا ان العرب استخدموا هذه الطاقة لأغراض دنيئة ومشينة فجعلوه نعلاً للوصول الى الجاه والثروة مثل وظيفة المديح والتفاخر اللتين هبطتا بالشعر الى اسفل معانيه وان وظيفة الذم والقدح والهجاء جعلته يفقد الاخر ويستجلب العداء؟
وصحيح ايضاً: الشعر اليوم قد تخلص من امراض كثيرة لازمته قرون وقرون لكنه ايضاً اصيب بأمراض جديدة حطمت صيته ودمرت اسطورته، وسأترك هذه المهمة لأطباء الشعر فهم يتكفلون بتشخيص الامراض وكتابة وصفة دواء لعلاجه ولكن جل ما اخشاه ان تكون وصفة الدواء قصيدة.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة