الأمة التي أضحكت الفيسبوك

وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ومنها الفيسبوك، هي هدية الثورات العلمية والقيمية للبشرية جمعاء، وقد وصلت بركاتها الى شتى تضاريس عالمنا المترامي، الذي تحول بهمتها الى ما يعرف بـ (القرية الكونية). وبالضد مما يتوهم البعض من المعتصمين بسكراب الماضي ومومياءاته في مضاربنا المنكوبة، فهذه الوسائل ليست تقنيات وحسب، بل هي مزيج من الشحنات العلمية والقيمية، وقد تعرفنا على فعل ارتداداتها الاولية على اوضاعنا السياسية والفكرية فيما عرف بالموجة الاولى لربيع العرب. لم يعد بوسع المنتسبين لنادي “خير امة” الاعتصام بعروة (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) فماكنة وسائل التواصل الجبارة، قد باشرت عملها لهتك سر كل هذا الخواء المبجل في مضاربنا المسكونة بلعنة السبات والخنوع. كل من يتابع حجم ونوع مشاركة غالبية المولعين بهذه الوسائل، بمقدوره التعرف على مستوى الضحالة والهلوسات التي انحدرت اليها هذه المجتمعات بعد اكثر من الف عام وعام من الاغتراب عما يحيط بهم من هموم وتحديات واقعية. ما ان تتصفح بعضاً من مواقعهم وبوستاتهم ومشاركاتهم، حتى تتقافز امامك سيل من الشتائم والسباب والطعن بشرف وعقل كل من تدفعه نفسه الامارة بالتجرؤ على الاختلاف معهم في كل ما يتعلق بشؤون الحياة والتاريخ والفكر، والمثير في الامر، هو وجود عدد غير قليل ممن يدعي الانتساب لنادي (الانتلجينسيا) على رأس مثل تلك الحملات المنظمة والتي تشن ضد شخصيات وكتاب وباحثين، كرسوا انفسهم ومواهبهم لمواجهة مثل هذه المصائر الظالمة لهذه الشعوب المنكوبة.
لم يعد الكتمان يجدي مع هذا التدفق الهائل للمعلومات والمعارف والحقائق، كما ان محاولات الهرب للامام أو الزوغان، أو التشبث بتقنياتنا المنتهية الصلاحية في التزويق والتلفيق والتبرير، لن تفضي لغير المزيد من الكوارث، حيث لم يعد لدينا المزيد من الوقت والثروات والامكانات لمواجهتها. علينا اعادة النظر بكل شيء، وخاصة سرديات الدمار الشامل التي نزقها لاطفالنا واجيال ستواجه عالماً لن يرحم من لايرحم نفسه من كل هذه الاكاذيب والاضاليل، هذا القات القيمي الذي يقف خلف داعش وغيرها من العصابات والاوبئة التي تنتظر دورها لتعصف بامة التجارب التاريخية وولايتها المحببة “بستان قريش”.
استمروا بلعن وسب وشتم المختلف عنكم، واستعرضوا المزيد من عنتريات”لم تقتل ذبابة”، خاصة وان تحرركم نفسه من العبودية والاذلال والاستبداد، جاء عبر المشرط الخارجي وقواه العابرة للمحيطات. لكن في نهاية المطاف لابد من المواجهة مع كل هذه الاضاليل والاكاذيب القديمة منها والحديثة، الى حيث العلنية والعقل النقدي الذي اهدى سلالات بني آدم كل ما هو جميل ومنسجم مع حاجاته وحقوقه المشروعة في العيش الحر والكريم. اما انتم، يامن ستتركون هذا العالم من دون أي استعمال جدي لاهم خصيصة انسانية (العقل) ومن دون ان تقلقوا راحته بالشك والسؤال حول ما تجترونه من عقائد وسرديات كانت مناسبة لعصور سفن الصحراء ولم تعد كذلك مع ما دشنته سفن الفضاء؛ فان الفيسبوك وغيره من وسائل التواصل ستقدمكم الى العالم على حقيقتكم وسيتكفل قاموس البذاءة وشتم الآخر وشيطنته وصب اللعنات عليه، الذي تتوهمونه كفيلا ببث الرعب بقلبه، بتجسيد تلك النبؤة المشهورة (يا امة ضحك من جهلها الفيسبوك)..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة