حق السخرية وباطلها

أجل، كنت على حق لكن أسلوبي جعلني على باطل: في السيارة مع ركاب من مختلف الاعمار والمستويات، عندما رفع السائق اجرة النقل من (250 الى 500) دينار ورحت أدافع عن الكثير من المساكين الذي لا طاقة لهم على هذا السعر الجديد خاصة الاطفال وهناك تلاميذ المدارس الفقراء من الذين لا يعطيهم الاهل غير الاجرة ومدارسهم بعيدة وسط الحر والبرد، هكذا رحت أدافع عنهم لكن المفارقة أانهم صاروا ضدي بعدما هزأ بي السايق وسخر مني باسلوب رخيص متهتك وهو يعلن عن سيادة قانون الاستهتار حتى ضحك الجميع وفقدت توازني من الصدمة وابتعلت الغصة والكلام . لماذا انتصر السايق واصطف معه الركاب برغم سرقتهم واقترافه الشر ؟
الان وبعدما فكرت عميقا وجدت ان سخف انفعالاتي وتفاهة جديتي وتلك الرغبة اللعينة في الالحاح والتأكيد( كوني على حق) وبكلمات مرعدة مزبدة أضرت قضيتي وحولتني ضعيف الموقف من صاحب حق قوي الى مجرد مسخرة تحت الحق وفوق الباطل. اسلوبي جعل هذا الحق موتور ومتطرف ولجوج وانفعالي مرهق، هو حق صعب، حق جعل باطل السايق أجمل منه وأخف روحا، هو استخدم النكتة واللف والدوران الحذق حول رفع السعر والمماطلة الرشيقة بمذاق حلو، كل هذا جعل من باطل السايق أفضل من الحق. لقد كان اسلوب طرح الحق باطلا فكنت ضحية الاسلوب ومحط سخرية لاذعة من الذين أدافع عنهم، في حين هيمن وحاز باطل السايق على قلوب الركاب رغم كونه أسلوب رخيص فج استحواذي لكنه استدرج الركاب اليه وفاز وانتصر علي وهو بلا حجج ومبررات رفع السعر مقارنة بالحجج والدلائل التي عندي. انتصر بفضل أسلوبي الارعن الغاضب والمتنفرز اللجوج الذي أبعد قلوب الركاب عني وميلهم الى اسلوب السايق الذي ابتزهم وخدعهم وسرق مالهم لكنهم ضحكوا وعادوا لبيوتهم راضين مقتنعين بسرقة السايق وكأنهم يقولون له حلال عليك السرقة (ماحلل وماهوب)، وساخرين هازئين من هذا البطل المدافع عنهم والذي يريد بكل شجاعته استراد حقهم المغصوب.
ها أنا وحدي مع نفسي أمام الورق الابيض اريد الكتابة باسلوب لا يعرضني للسخرية من القراء كما تعرضت سابقا من الركاب، ها أنا أكتشف العيب العظيم الذي يدمر الكتابة والادب والفن، انه عيب الجدية الصارمة، عيب الركض وراء الإقناع وفرض الحق بواسطة الصرامة والوجوم، أن أول من يدمر الرواية والقصة والقصيدة والمقالة هو : قول الحق، والسعي اللجوج وراء الهدف والغاية. علينا التريث والكتابة بهدوء والاشارة للحق من بعيد وبدون ذكر مباشر له، أو تفكيك كل ما يحيط بهذا الحق وازاحته بدون قصد أو غصب، آنذاك يمكن رؤية الحق بعيون ضاحكة وعقل مفتوح. هنا تلعب السخرية دور البطولة في الرواية والقصيدة والقصة والمسرحية والمقالة، واذا ما تقاطعت السخرية مع موضوعة النص فيكون المرح هو البطل بدل السخرية، التي يكون لها مفعول السحر في المسرح والنقاش والحوارات اليومية لكنها دائما تسقط في التهريج، لذلك يبقى المرح بلا منازع هو البطل.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة