الأخبار العاجلة

تركيا والرهان على الماضي

عند نهاية الربع الأول من القرن المنصرم وبعد سلسلة من الهزائم الساحقة، انهارت امبراطورية بني عثمان، وتوزعت أسلابها حصصا لسادة العالم الجديد. وسط ذلك الانهيار المريع ظهر زعيم من طراز جديد، تمكن من كسب ما تبقى من أمل لدى الأتراك هو مصطفى كمال والذي عرف لاحقاً بـ (آتا تورك). شخصية تمكنت من اجتراح الانتصارات العسكرية في وقت الهزائم والانكسارات الهائلة. لم يكن أمام هذا القائد الشجاع ذو الثقافة الحديثة والمتنورة سبيلاً غير إعلان موت الخلافة وولادة عصر الجمهورية التركية على الأسس الحديثة التي اعتمدتها الدول والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف. ذلك التحول السريع والمفاجئ من الضد لضده، وبالرغم من القرارات والتشريعات الجريئة التي رافقته، ولا سيما فيما يتعلق بفصل الدين عن الدولة وتقليص دور وتأثير المؤسسات الدينية على الشأن العام، إلا أنها ظلت فاقدة للبنية التحتية المتناغمة مع مثل تلك التحولات القانونية والقيمية، مما مهد الطريق لاحقاً لتسلل القوى والمؤسسات التقليدية وواجهاتها الجديدة الى مسرح الأحداث.
بعد سبعة عقود على ذلك التحول الدراماتيكي الذي قاده آتاتورك انتصارا لقيم الحداثة ومستقبل تركيا، تمكن جناح جماعة الإخوان المسلمين في تركيا (التنمية والعدالة) من الوصول الى السلطة عبر آليات الدولة الحديثة (الصناديق). رغم حرص هذا الحزب وزعيمه السيد رجب طيب أردوغان بمناسبة وغيرها على إشهار إيمانه بعلمانية الدولة ونظامها، إلا أن “العرق دساس” كما يقال، فبعد جولات متكررة من الفوز بالانتخابات، أفصح السيد أردوغان ومريديه وعلى رأسهم مدير استخباراته الشاب؛ عن حنينهم للماضي الذي دفنه مؤسس الجمهورية التركية الحديثة. وخطوة بعد أخرى تحولت سياسة (تصفير المشكلات) التي أعلن عنها مهندس الدبلوماسية السيد داود أوغلو، الى الغوص عميقا في عين مشكلات وعواصف المنطقة والعالم. كان يمكن لهذا الاهتمام بمشكلات المنطقة ان يأخذ منحى آخر، لو اتخذت سياسة أنقرة دور الإطفائي بمواجهة بؤر التوتر والحرائق الطائفية والأثنية التي اشتعلت في الأعوام الأخيرة، غير أن لعنة الحنين للماضي وثاراته الصدئة كانت اشد تأثيرا على بوصلة من تربى بين صفوف جماعات حلمها الأساس استرداد الفردوس المفقود (الخلافة).
ما تعيشه تركيا اليوم، هو نتاج طبيعي لمثل هذه التطلعات المثقلة بأوهام الماضي والسرديات المغتربة عما وصلت إليه سلالات بني آدم من قدرات على الحفر والتنقيب بعيداً عن الشعارات والديباجات والأهازيج الخاوية. لقد شهد العالم أجمع ما طفح من أحداث وتطورات، ولا سيما ما يتعلق بـ (الانقلاب العسكري) وموجة الاعتقالات الواسعة التي رافقته، والتي كشفت عن اختراقات واسعة لمؤسسات الدولة التركية من قبل الجماعات الإسلامية بشتى خطاباتها وواجهاتها الجهادية والسلفية والصوفية (فتح الله غولن) وغيرها الكثير. وما حادث اغتيال السفير الروسي برصاص أحد رجال الأمن الأتراك مؤخراً، إلا دليل فاضح على مستوى الانحدار الذي وصلت اليه هذه المؤسسات بعد صعود قوافل الأسلمة في بلاد الأناضول. ما تحتاجه تركيا لن تجده عند القوى والجماعات المسكونة بالماضي وتعاويذه، والتي شرعت أبواب تركيا لها في الأعوام الأخيرة بعد تورطها بمستنقع النزاعات الطائفية، بل في مواجهة التحديات الواقعية في الميادين الحيوية (الأمن والاقتصاد والتعليم والخدمات..) بعيدا عن أجواء الاحتقان والتحريض المهيمنة على المشهد الراهن.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة