قراءة في مجموعة الشاعر قاسم سعودي

الصعود على ظهر أبي
حمدان طاهر المالكي

في المشهد الشعري العراقي اليوم أصوات كثيرة , وهذه الكثرة لا تعني بالضرورة التفرد والسيادة بقدر ما تحمل على أن الثقافة العراقية ما زالت تتكئ على الشعر كطوق نجاة للارتفاع والوصول بالشعر إلى مكانة عالية ، من هذه الأصوات يبرز صوت شاعر عراقي خارج منطقة التجييل التي انتهت , شاعر يمتلك من الأحساس والتجربة ما يؤهله ليقول المسكوت عنه والحدث اليومي العابر , يوميات الحروب التي نسيها الناس وأصبحت أرشيفا لا يتذكره أحد , أحاديث السوق , حزن الجنود والأمهات ألم الباعة وكل شيء إنه الشاعر قاسم سعودي , يقول في مجموعته « الصعود على ظهر أبي « التي صدرت مؤخراً بالاشتراك بين « دار مسعى الكندية ودار العنوان الإماراتية « عن أخيه والذي هو صورة مخيالية وهو ليس أخا لقاسم فقط إنه أخ لكل الموجعين الذين يصطلون بنار الحرب .
« أخي طفل من زجاج
تخاف عليه أمي كثيراً
لا يلهو عادة على ظهر أبي
عندما نتشاجر مع أولاد الجيران نجعلهُ خلفنا
نحرسهُ حين يركض
وعندما ينام
نخافُ أن ينقلب فتحزن أمي
لا يأكل شيئا سوى ضحكاتنا
ونحن نسرق الطعام الذي لم ينضج بعد من المطبخ
يبرقُ طوال اليوم
لذلك عشقته صغيرات الجيران سريعاً
لم يذهب إلى المدرسة
مخافة أن يرميه الأطفال بالحجر
لا يحب الثياب كثيراً
فيخرج عارياً إلى الشارع
أخي الذي من زجاج
شاهد اليوم جنازة شهيد فانكسر .. «
توقفت عند هذا النص كثيراً ، هل يمكن أن يصل الألم والدهشة لدرجة البوح العاطفي المشحون بكل الأحاسيس والخيال الذي يقف عنده القارئ وكأنه الآن يودع عزيزاً ، هي ليست لعبة ألفاظ وسحب العاطفة على البناء الفني لكنها مرحلة متقدمة تفتح الدهشة على إنكسار إنساني هائل أراد قاسم أن يكتبه بطريقته الخاصة ، في نص « قطعة ذهبية « يحيلنا الشاعر لمرحلة حرب الثمانينيات حين كانت أجهزة النظام تأخذ التبرعات بالقوة من الناس لأدامة زخم الحرب , وكيف يمكن أن تتحول القطعة الذهبية لرصاصة في رأس جندي أجبر على الذهاب للحرب .
«في يوم ما كانت أمي تمتلك قطعة ذهبية صغيرة
صغيرة جداً
أخذها منها العسكر أيام الحرب
أبي شقيَّ عاماً كاملاً في حقل القمح
ليجلب لها تلك القطعة الذهبية الصغيرة
التي تحولت إلى رصاصة ساخنة قتلت جندياً هناك
أمي الآن لا تتذكر تلك القطعة
لكنها ترى في المنام كثيراً
جثة ذلك الجندي الخائف .. «
يريد الشاعر أن يقول لنا ان لا نهاية للحرب ستبقى أشباح الضحايا تلاحقنا لأننا في يوم ما على غفلة أو خوف كنا جزءا من الصورة ، الصورة التي رسمها الجنرال وظل يلمعها رغم خرابنا النفسي .. يقول كوكتو « إذا كنت تستطيع أن تصف دجاجة تعبر الطريق فأنت كاتب حقا « أجزم أن هذا الوصف يتطابق مع نصوص قاسم كما في نص 1994 و 1981 , أو تنظيف المنزل وكلها نصوص تدين الحرب أو كما يسميها قاسم الباب الخلفي لحديقة الحرب , ثمة نص أخر يؤكد فيه الشاعر على ما ذهبنا إليه حول استمرارية الحرب حتى بعد انتهاءها كما في نص « قطعة حلوى «
« في العاشرة من عمري
وحتى لا أذهب إلى المقهى
اشتري لنا أبي تلفازاً صغيراً
نشاهد فيه كأس العالم في الأرجنتين
وقتها كان نصف بيتنا حديقة
يأتي أطفال الحي جميعاً لرؤية كمبس
كنت لا أدخلهم إلا بقطعة حلوى
فلقد كنت كريماً معهم
بمرور سنتين
تحول التلفاز إلى دبابة كبيرة
كبرنا جميعاً مع القذائف
مات أبي .. ماتت الحديقة
ذهب نصف الأصدقاء إلى الله
أنجبنا الكثير من الأطفال الذي يعشقون كرة القدم
وما زالت الدبابة تطلق النار في البيت « ..
المقطع الأخير من النص يقول وما زالت الدبابة تطلق النار في البيت , نعم يا قاسم ما زالت هذه الدبابة ترمي وهو وصف رائع عن عمر الحرب الطويل .
ليس من السهولة اختيار مجموعة من نصوص الصعود على ظهر أبي , لأن النصوص في معظمها جاءت متكافئة من الناحية الفنية وهي بحق إضافة مهمة لقصيدة النثر العراقية والعربية , في الختام هو ليس صعودا على ظهر الأب بقدر ما هو صعود على ظهر الألم فهو انتصار على العنف والموت والحروب , إنه صعود آخر أراد أن يقول لنا فيه الشاعر , ان لا قيمة ولا أهمية لشاعر أو مثقف مهما كان أن لم يكتب عن أوجاع الناس ويؤرشفها لتكون وثيقة إدانة بوجه تجار الحروب والدم , ولا فضل أو ريادة لأحد أن لم يصطف في خندق الإنسانية فالشعر ليس رسالة واحدة إنه يحمل في طياته رسائل للجميع في المحبة والابداع والجمال , تحية لقاسم وهو ينثر رسائله على الجميع من فوق ظهر الألم ..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة