الأخبار العاجلة

مثقفو الهندسة الافتراضية

رغم هامش الحرية، والتحرر الكبير في الكتابة والتعبير عن الرأي، الا ان مساحة خيانة المثقفين تتسع، والولاء للفروع على حساب الأصل، ينال من قلاع الوطنية ومدافع الطائفية والتعصب، يداكان آخر معقل للتنوع والتعدد وهو الوسط الثقافي. ظاهرة الهندسة الاجتماعية، هو تعبير اطلقه الفيلسوف كارل بوبر، على صنف المثقفين الذين يتصورون انه يمكن تغيير العالم الى الأفضل استنادا الى ايديولوجيات مسبقة، تحتكر الحقيقة، وتدعي انها تمتلك مفاتيح الرخاء الانساني، وانها قادرة على حل مشاكل العالم، لو اتبعت.
هذا النمط من المثقفين، هو السائد والآخذ التمدد على حساب النمط الآخر الذي يرى الأمور من منظار اوسع، ولا يرتبطون بأيديولوجية معينة، بل يجعلون من حاجات المجتمع، مرتكزا لإطلاق تصوراتهم وأفكارهم. بعض المثقفين العراقيين، تجاوزا مرحلة الايديولوجيا الى الأنا التي تضخّمت وتشعبت بفضل الفيس بوك، وكلمات الاطراء والمديح المجاني من قبل اشخاص لا هم لهم سوى الانزواء تحت عباءة صفحة تعود الى كاتب او اعلامي، اتخمت نرجسيته، وتمددت اناه حتى ظن نفسه، يملك نسقا خاصا به، وايديولوجية ابتكرت خصيصا له. وهو ما نطلق عليهم بتسمية: مثقفو الهندسة الافتراضية. كتعبير عن اشتغالات هذا النمط وهمومه التي لا تتعدى الفيس بوك ومشاكله. فهو لا يعترف بالغير، ولا يريد ان يعترف بأن ثمة آراء تخالفه او تتقاطع معه.
فلا يكاد هذا المثقف، يقرأ كلاما لا يغذي أناه ويخدش نشوته الافتراضية، حتى يسارع الى ملئ انائه الافتراضي بأبشع الكلمات واقذرها ليرميها بوجه قائل تلك الكلمات. لذا غالبا ما تتحول نقاشات وحوارات الفيس بوك الى مهرجانات للشتائم والسب والقذف، خصوصا عندما يدخل على الخط مثقف يرى نفسه كبيرا.
أما لو نزل هذا المثقف الى الشارع وواجه اناسا يراهم اقل من مستواه، فسيحن الى كلمات الاطراء والمديح التي تنهال عليه كل لحظة في الفيس بوك، ولما يصدمه الواقع ويرى نفسه، مجرد كائن افتراضي مساحته لا تتجاوز حجم هاتفه النقّال، حتى يرتد اليه عقله، ويعرف حجم وفداحة الموقف الذي وقع فيه. هذا النمط من المثقفين، آخذ بالتزايد مع تمدد مساحة الفيس بوك في حياتنا، على حساب الواقع. ولا نعلم ماذا يمكن ان نسميهم.
فإذا كان مثقفو الهندسة الاجتماعية متهمون بالخيانة. فبماذا سنتّهم مثقفي الهندسة الافتراضية؟ ماذا سيقدم هؤلاء للمجتمع، اذا كان جل اهتمامهم بأناهم ونرجسيتهم؟ هل يمكن ان نثقف بمثقف لا هم له سوى حصد الاعجاب والتعليق؟ هل يمكن ان نركن الى مثقف، لا يصدر منه سوى اتهام الاخر بالجهل؟ هشاشة الوعي، وقصور الادراك لدى بعض المثقفين، عورة كبيرة، كشفها الفيس بوك، وازاح الهالة التي كانت تؤطر بعض الاسماء. ربما نحتاج الى أجيال جديدة، تأخذ على عاتقها تحرير الوسط الثقافي من مثقفي الهندسة الافتراضية، وتحصينه من اي متطفل، يسيء الى المثقف والثقافة.
سلام مكي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة