أخلاق اكسباير

عندما نتصفح شيئاً من تجارب النجاح الذي رافق عدداً من المجتمعات والدول وخاصة في قارتنا (آسيا) نجدها قد وضعت أمر تأسيس وترسيخ القيم الاخلاقية الراقية على رأس أولوياتها، حيث تدرس مادة (الطريق الى الاخلاق) في المراحل التعليمية المختلفة، بوصفها ضرورة ملحة تزداد اهمية في عصرنا هذا. لقد حولت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية تجاربهم المريرة التي مروا بها، الى دروس وعبر اخلاقية وقيمية قبل كل شيء. أما في الوطن الأكثر ضيماً ومحناً (العراق) فان جميعها تمر من دون ان تترك اثراً طيباً في هذا الميدان الحيوي من حياة الامم. لا نحتاج الى الاستعانة بخبراء في هذا المجال كي نؤكد حقيقة الخراب والتدهور الاخلاقي الذي انحدرنا اليه (افراداً وجماعات) في العقود الاخيرة، وفشلنا الفاضح بعد ما يفترض انها حقبة “التغيير” على تحقيق ادنى انعطافة بعيداً عن هذه المستنقعات التي انحدرنا اليها.
ان الوصول المتكرر لحثالات الريف والمدن الى المفاصل الحيوية للمجتمع والدولة؛ يؤشر على ذلك الخلل الهائل في المعايير القيمية والاخلاقية السائدة، خلافاً لما يتبجح به غير القليل من فرسان المشهد الراهن، حول الشرف والفضيلة وغير ذلك من الاستعراضات الزائفة. لقد مرت أكثر من سبعة عقود على نهاية النازية وهتلر، الا ان الشعب الالماني ما زال حتى هذه اللحظة، يدرس العلل والاسباب الاقتصادية والسياسية والقيمية التي مهدت الطريق لمثل هذه الهزيمة الاخلاقية التي مر بها ذلك الشعب الذكي والمنظم، المناخات التي ساعدت على تسلل حثالات الريف والمدن الى سنام السلطات العليا في البلد. وفي العراق، لا شيء من ذلك، لا بل لم يمر وقت طويل على انتشال ذلك المسخ من حفرته، حتى عاد اتباعه وعبر عدد لا يحصى من الواجهات الى مسرح الاحداث للترويج مجدداً لقيم العصابات والانتهاكات السافرة لحقوق الانسان وكرامته.
لقد اكدنا واشرنا مراراً الى هذا الخلل القيمي والاخلاقي والثقافي، ولكن “لا حياة لمن تنادي” فالقوم لهم اولوياتهم البعيدة كل البعد عن مثل هذه الهموم “البطرانة”. الاخلاق كما يعرف من لم يفقد عقله وضميره حتى هذه اللحظة؛ هي في حالة صيرورة متعاظمة ومنسجمة وحجم التحولات التي شهدتها المجتمعات البشرية، لذلك لا يمكن الاستعانة بالقيم الاخلاقية للقرون الوسطى أو ما قبلها لمواجهة تحديات عصر اصبح فيه عمر المعلومة اقصر من عمر الفراشة. لا يمكن اتخاذ موقف اللامبالاة، مما يحدث اليوم في مضاربنا المنكوبة بالسرديات الاخلاقية المنتهية الصلاحية، والتي تدفع والدين لتلغيم طفلتيهما (دون سن العاشرة) وتفجيرهما تحت ذريعة محاربة اعداء الله ورسوله..؟! وغير ذلك الكثير من الجرائم والانتهاكات التي ترتكب، من دون ان نلتفت الى مكمن كل تلك الشرور، وحواضنها الفعلية والراسخة عميقاً في “اخلاقنا” المستندة الى احتياطات أكثر من الف عام وعام من التخلف والتعصب وكراهة الآخر المختلف. من دون الالتفات الى دور هذه المنظومة المعطوبة من القيم والعادات والتصورات المتخلفة عما يحيط بنا من علاقات مادية وروحية متجددة؛ ودورها في تشويه فهمنا لها؛ لا يمكن الامل بتعافٍ قريب لحالتنا واوضاعنا التي تزداد بؤساً وتدهوراً..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة