الأخبار العاجلة

للشاعر مرتضى حسان الجنابي

على باب منفاك..
محمد جودة العميدي*

في لحظة توهج ابداعية أطلت علينا مجموعة الشاعر الدكتور مرتضى حسان الجنابي الشعرية ( على باب منفاك ) من دار ميرزا للطباعة و النشر والتوزيع في بيروت . تضم المجموعة أحدى و أربعين قصيدة بين قصائد عمودية وقصائد نثر . تقدمت قصائد الديوان (توطئة) للأستاذ صلاح اللبان مؤسس ورئيس جمعية الرواد الثقافية المستقلة – المركز العام –بابل .أستوقفني العنوان الذي يشير الى حالة من السكون لا اعرف تفسيرها .. أهي حالة تردد ؟لماذا يلج الشاعر عالم الشعر ويتردد في ولوج عالم الحب ؟ والقارئ ذو الذائقة الشعرية يمكن ان يجد الجواب بنفسه من خلال قراءته لقصائد الديوان ، لأنها قصائد رومانسية فيها من البوح الصريح للمشاعر والعواطف الانسانية .لايخفى على أحد أن أمتهان الكتابة الشعرية مهمة محفوفة بالمخاطر ، لأن اللغة الشعرية ليست كاللغة العادية التي يتواصل بها الآخرون . إنها لغة فنية عالية فيها من المواصفات ما يجعلها تحمل مشاعر وأحاسيس إضافة الى الدلالات والمعاني التي تنقلها الى الآخرين والشعر هو النظر الى العالم بعواطف مرهفة و حساسة تهتز عندها ذات الشاعر أمام الحياة و الكون . وغاية الشعر – كما يرى الدكتور عبد الواحد لؤلؤة – هي « هز الوجدان و العقل « . وبذلك تكون مهمة الشاعر هي حل الألغاز وفك شفرات الأشياء ومعرفة أسرارها ، وحينها يكون الشعر هو الفضاء الذي تكمن عنده كل المعاني الروحية و الوجودية للإنسان.وقصيدة النثر باعتبارها توظيف للتجربة الإنسانية والمشاعر الذاتية وما يؤثر فيها من عوامل شتى هي بذات الوقت عملية خلق وإبداع تبرز فيها حوارات ثنائية بين ذات الشاعر و الوجود. وقصيدة النثر ليس انفتاحا مطلقا للخطاب التعبيري على الأنساق الشعرية والسردية ، بل هي فضاء مفتوح لكنه مقيد لأنه يتطلب جهدا لغويا وموسيقيا وتصويريا متميزا في هذا السياق تأتي قراءتي النقدية لديوان الشاعر مرتضى حسان الجنابي (على باب منفاك ) في محاولة لرصد سمات خطابه الشعري من : صورة شعرية و تكثيف لغوي و وصور بلاغية و إيقاعات وترميز وكذلك تقصي الدلالات التي يكتنزها خطابه الشعري ومعرفة الثيمات التي تتفاعل معها ذات الشاعر .ويضم الديوان بين دفتيه قصائد عمودية وقصائد نثر تتسم بسمات مشتركة ، تأتي في مقدمتها ( سمو اللغة الشعرية ) وهذه السمة واضحة من خلال أنتقاء المفردات الموسيقية المؤهلة لنقل مشاعر واحاسيس الى المتلقي .والسمة الثانية هي إن القصائد تشدها وحدة داخلية مما يجعل قصائد الديوان كيان شعري متجانس . كتب الشاعر مرتضى الجنابي قصائده بتقنية خاصة به تقوم على محاور متعددة منها المقارنة و الحكاية و تزاوج الماضي والحاضر .ومعظم القصائد حوارات ثنائية dialogues بين (الذات الشاعرة) والحبيبة الافتراضية وهذا يؤشر مسايرة الشاعر للحداثة الشعرية . والحوارات فيها من المفردات الرومانسية ما تشير الى واقعية الشاعر. و أفضل ما يقال عن الشاعر أنه يكتب بصدق . والشاعر مرتضى حسان الجنابي يكتب بوعي لأنة يمتلك أحاسيسه المرهفة وأدواته الكتابية الشعرية . وصوره الشعرية ليست طلاسم والغاز بل هي صور عادية منفتحة على تجليات التجارب الإنسانية والذاتية في معظم قصائد الديوان حافظ الشاعر وبقوة على شفافية الصور الشعرية لقصائده الى نهاية الديوان .أستخدم الشاعر تقنيات مختلفة في بناء قصائده منها (تراسل الحواس) و ( التداعي) و( المقاربة) التي أشار فيها الى قصة الحب بين (قيس وليلى) المشهورة في الادب العربي .يعتني الشاعر مرتضى الجنابي ببناء قصيدته النثرية من خلال عمق الفكرة و فنية التعبير وحسن اختيار الألفاظ وحسن مجاورتها مما يؤلف انسجاما موسيقيا harmony بين مفردات القصيدة مما يجعل قصائده هادئة لا صخب فيها . وقصيدة ( عفوا سيدتي) التي سمعتها من الشاعر مع قراءات لقصائد أخرى في جلسة توقيع الكتاب قصيدة خفيفة وسريعة الوقع لأنها من بحر ( الخبب ) ، وهو أحد بحور الشعر العربي ، ويسمى ( المتدارك ) أيضا ، ووزنه : ( فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن ) في كل شطر ، ويقال ان أول من أطلق عليه أسم (الخبب) هو ( ابن رشيق ) . وممن كتب بهذا البحر (الحصري) حيث كتب موشحه :
ياليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده
رقد السمار و أرقه أسف للبين يردده
لا تخلو قصائد الديوان من المفردات القرآنية والأثر الديني ، ففي قصيدة (عفوا سيدتي ): فأنا اسكن (جرف هار ) ، وفي قصيدة (لا أبالي) : لا ابالي ان نعاني شامتا ..كل (عتل وزنيم ) ، وفي قصيدة (جرح مريم) : وانقطع ( الوتين ) وهو عرق في الرقبة ، وفي قصيدة (صبر مريم ) أقتباس آية ( وجوه الى ربها ناظرة ) ،وفي قصيدة (ستبقى أملا) : (السنين العجاف) ، وفي قصيدة (الزمن الخاطئ) : أتظني انني ما زلت ( في المهد صبيا ) ، وكلمة (السامري) في قصيدة (لم تصبري ) وفي قصيدة (لا تخافي) أدانة لظاهرة ( التدين الكاذب) المنتشرة في مجتمعنا :
وأبادت كل من باعوا
باسم الدين
ذكرانا الجميلة
لا تخافي واذكريني كلما ضاقت بك الارجاء
يا احلى خميلة
وقصيدة ( على باب منفاك ) التي تحمل أسم الديوان قصيدة عمودية كتبت بشكل قصيدة نثر.يبدو فيها الشاعر متعبا حيث التساؤل عن اشياء مفقودة . وفي القصيدة يثبت الشاعر قدرته على وضع المعاني والمشاعر الانسانية و الاحاسيس سوية بلا تراكم وبترتيب رائع . أعجبني في القصيدة قدرة الشاعر على ضبط مشاعره الى نهاية القصيدة .وثمة رابط بين تحصيل الشاعر العلمي وقصيدة (وجدتها) التي هي صرخة أرخميدس. تشكل القصائد الرومانسية اغلب قصائد الديوان ، وهي عامة مليئة بالذوق الفني والحس الجمالي ، يشعر القارئ أنه أمام لوحات فنية ابتدعتها أنامل رسام محترف . واغلب القصائد سهلة الوصول الى المتلقي بما تمتلكه من مفردات جميله وعبارات جذاب سهلة الوصول الى المتلقي بما تمتلكه من مفردات جميله وعبارات جذابة .والصور البلاغية التي استخدمها الشاعر مرتضى حسان الجنابي من تشبيه واستعارات اضافت جمالية الى القصائد واكسبتها ذوقا فنيا اضافيا . واخيرا امتلكت القصائد كل اسباب النجاح لما فيها من خيال مديد ومفردات جميلة جذابة. ورغم ان المجموعة هي الديوان البكر ، الا انها علامة لتجربة شعرية مائزة في المستقبل. هذا كل ما لمسته من خلال قراءتي لقصائد الديوان وليس لي الحق في قول كلمة الفصل لأنني قارئ أستذكر دائما مقولة الناقد الدكتور جونسن ( يتوق كل من يؤلف كتابا الى المديح ) .. ولهذا أنني أترك الديوان لقراءات أخرى من قبل نقاد آخرين ..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة