البديل الثقافي

العناوين غالبا صدمة ، تكثيف و ربما جملة كبرى تتوخى الشيوع و التداول او الاعلان عن مضمون تم اختزاله بهذه الجملة ( العنونة ) و لذا يقف الكتاب و المنظّرون طويلا لاختيار عناوين مواضيعهم او مشاريعهم الفكرية ، الامر كله لا يذهب بعيدا عن توريطات اللغة و حمولاتها المجازية التي قد تنزلق الى غير ما يقصده الكاتب و هنا نقع جميعا ضحية جدل لا تكون المشكلة ذاتها هي السبب بل التعبير عن المشكلة هو الذي بلبل الفكرة او حرفها بدرجة ما ..( اللغة اخطر المقتنيات ) كما قال هايدغر ، ( البديل الثقافي ) عنوان لافت اطلقناه منذ خريف 2005 على ورشة اسئلة فكرية ضمت عددا من ادباء ميسان وكان لابد من مجلة او منشور يذيع هذه العنونة و يبشر بحمولتها الفكرية ، خطابها القادم ، و بالفعل اصدرنا مطبوعا بالعنوان ذاته على نفقة محرريه ، مجلة ( البديل الثقافي ) التي صدر منها 18 عددا قبل ان تتوقف مؤقتا منتصف 2015 .. لا نريد ان نسرد حكاية المطبوع بل الأهم التذكير بحاجتنا الدائمة و الاكيدة الى بدائل ثقافية تتجاوز السائد و المعاد الذي وصل حد التلف وهنا يمكن ان نقرر : كل ثقافة لا تقدم بدائلها باستمرار و لا تجترح افقا عابرا للسائد هي مزاولة ثقافية و ليست ثقافة بالمعنى الذي تقصده و نتوخاه ، الثقافة منظومة تحوّل فبل كل شيء ، تحسين أداء ، وعي نقدي مصحوب بإرادة تغيير ، النصوص الابداعية وحدها لا تكفي بل نحتاج الى صناعة خطاب و الخطاب ممارسة تتعدى حدود البلاغة ، ليس في البلاغة سوى مقولات قد نحتاجها بقدر كما نحتاج ان تتوقف لحظة ما او تتنحى كي تتقدم الممارسة ، هذا التفريق بين النصوص و الخطاب واحد من اشكالات العقل العربي عموما ، العقل البلاغي الذي يعوّض نقص الواقع بالبلاغة ، تصبح المقولة بديلا عن الممارسة ! الصوت وحده بلا أفق ! مشروع البديل الثقافي كان و ما زال يتوخى تأصيل منظومة نقدية تسأل عن المتغيرات الثقافية التي ينبغي ان ترافق المتغيرات الاخرى على صعد الاقتصاد و الاجتماع و السياسة ، ما يحصل لدينا ان الحياة تجري و مقولات الثقافة ثابتة ! ميدانها الورق لا الحياة و فضاؤها المنصات و الاحتفالات الرسمية التي تقام باسم الثقافة لا غير ، هذا يعني اننا بحاجة ايضا الى اعادة مداولة مفهوم المؤسسة ، ما تزال مؤسساتنا في الاغلب احتفالية بل و مناسباتية اذا صح القول ، ينقصها السؤال الثقافي الجاد بل هي تشعر احيانا ان مثل هذا السؤال قد يضر بمصالحها الوظيفية القائمة على الاستثمار الضيق و الظرفي للمنفعة على حساب قيم الثقافة التي نتوخاها ، كل هذا يؤكد الحاجة الى بديل ثقافي.
جمال جاسم أمين

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة