لا يزال مفهوم الشعر موضع خلاف عميق (2-2)

الناقد حاتم الصكر:
حاوره: خضير الزيدي

* النقد يتصل بالفكر ومن النقد ولد مفكرون لماذا النقدية العراقية لا تنتج مفكرا مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ؟
– لا يمكن الاحتكام إلى أسماء محددة لنناقش مثيلها المعدوم أو الغائب في حاضنات أُخر. العراق تاريخيا احتضن الفلسفة وترجمة المنطق وظهرت فيه الفرق الكلامية والتصوف والمذاهب. تمتد علاقة العراق بالفلسفة والفكر لأمد بعيد يدلنا عليه الجاحظ مثلا كمفكر معتزلي. ولكن النزعة الشعرية والأدبية عامة طغت على المشهد في العراق مع بدء النهضة الحديثة. مع ذلك فقد رافق تلك النهضة التي بلغت ذروتها باقتراح الشعر الحر من العراق تآليف كثيرة في الفكر الاجتماعي ننوه من بينها بجهود الدكتور علي الوردي مثلا وفي مجال علم الأديان المقارن والآثار هناك طه باقر، وفي القراءة الجديدة للتاريخ خذ جواد علي ،وفي الإمكان التمثيل بالمزيد. اللحظة الثقافية تفرض طبيعة مثقفيها وتلك أمور يجب أن تفهم بالعودة لسياق ومجريات الحياة الثقافية العراقية وخصوصياتها.

*اكثر اشتغالات النقدية في القصة والشعر كانت تتصل بمن جايلوك هل هذا حنين للمرحلة التي عشتها ام هو اكتشاف وتأكيد لأسماء مهمة؟
– ربما هو المتاح من الأعمال للاشتغال عليها وهي ذات حضور. رغم ذلك أعتز بجهدي في إعادة الاعتبار لروفائيل بطي ناقدا–وهو ليس من المجايلين لي- .وبالاحتكام لأهمية الأسماء على العكس تجدني درست شعراء من أجيال شابة كما حصل في كتابي عن شعراء السبعينيات الصادر في منتصف الثمانينيات. واهتمامي بشعراء غير مكرسين نهائيا وليست لديهم شهرة واسعة، درستهم في مقالات أو دراسات نقدية.

*إلا تعتقد بان النقدية المغاربية أكثر شراسة لغوية وتحليلية من النقد العراقي أم ترى العكس؟
– على مستوى التنظير أوافقك حول قوة وحماسة وعلمية نقاد المغرب العربي عموما. ولكن على مستوى التطبيقات ورصد الظواهر- في الشعر تحديداً -لا أتفق معك. النقد العراقي له حيوية فائقة في تعقب النصوص الشعرية ورصد التحولات المهمة في الشعرية العربية عامة والعراقية خاصة. في نقد السرد يمكن ملاحظة تفوق الزملاء المغاربة بحكم الثقافة الفرانكفونية والتربية واللسان ،ولكن لحق بهم جيل من نقاد السرد العرب سدّوا الفراغ الحاصل في الكتابة النقدية ومن خلال المنهجيات الحديثة وأدواتها.

*هناك اتجاهات نقدية جديدة كالتفكيكية ونقد ما بعد الحداثة هل تعتقد بان النقدية العراقية مارست هذه المناهج على النصوص العراقية ومن هم المشتغلون في هذا الاتجاه؟
– نعم. لقد كانت مناهج ما بعد البنيوية ذات تأثير كبير في النقد العراقي. كثيرون وأنا منهم- متأثرون بمناهج جماليات القراءة والتلقي التي أعادت الأهمية للقراءة وأعرافها وطرائقها ،وما يمكن أن تضيفه عبر التلقي. والأسماء النقدية كثيرة ومعروفة في المحترف النقدي العراقي وعبر المؤلفات الكثيرة التي صدرت خلال العقود الثلاثة الماضية
* انتم كنقاد ساهمتم في إبراز أسماء في القصة والشعر لكن هناك أسماء شابة ربما قدمت إبداعا لا يقل أهمية عن الأسماء الكبيرة لماذا صارت تلك الأسماء مراكز والأسماء الأخرى هوامش رغم أهميتها؟
– يحق لي بمراجعة كتاباتي وانتباهي للمبدعين دون تقيد بالشهرة أو الجيل، أن أحيلك إلى آخرين ينطبق عليهم توصيفك في سؤالك من حيث تغافلهم عن التجارب الجديدة. ثمة في كتبي ومقالاتي وفي موقعي على الانترنيت ما يرد هذا الاتهام. ولكن أوافقك أن تلك مشكلة قديمة لازمت النقد العربي في اصوله الأولى أيضا، حيث تغافل النقاد عن مبدعي زمنهم والأخبار حول ذلك كثيرة تؤكد أن عامل الزمن والشهرة وتقديس المكرس كان من مثالب النظرية النقدية القديمة. وربما امتد ذلك لعصرنا للتصورات القاصرة ذاتها
.
*بما ان الثقافة العربية ثقافة صوتية وشفاهية لحد ما .هل النقد صوتي وشفاهي وأحيانا إخواني ويجامل ام هو نقد صارم؟
-لا يعجبني نعت الثقافة العربية بأنها صوتيه، وأن العرب ظاهرة صوتية. ذلك جزء من ردود أفعال على انتكاسات معاصرة وهزائم وخيبات معروفة في تاريخنا الحديث. تخلف رُمينا به لما مر بنا من احتلال وأنظمة متخلفة او ظالمة. ولا يعجبني الخلط بين الصوتية – ترميزا للكلام المجرد المفرغ من المعنى- وبين الشفاهية التي تدرس اليوم كمرحلة في عمر الحضارة والكتابة والفكر. شفاهيون نعم. ولتراثنا مدوناته التي تدرس وفق مزايا الشفهي والمرتجل. والمنقول شفاها .ولكن عيوب النقد أو أي نوع أدبي لا صلة لها بذلك. المجاملة أو الصرامة والتعصب والمحو والمزاج كلها دوافع مرضية موجودة في المرحلة الشفاهية وفي المراحل اللاحقة .لكنها ليست كافية للتعميم والإدانة. المحصول النقدي كثير قد لا يراه بعض المبدعين لأنه لم يحتك بنتاجهم مباشرة لكن تبدل المفاهيم وقبول التحديث وإنارة الجديد وتسويغ التحديث وتسويقه لدى المتلقي لم يتم إلا بكدّ النقاد عبر أجيالهم وتعاقب مراحلهم.

*النظرية العربية النقدية استمدت جذورها من أصول ثقافية عربية تمتد للعصر العباسي. كيف تعاملتم مع مدارس نقدية من مثل القاضي الجرجاني والجاحظ وغيرهم بوصف كل هؤلاء أساسا للنقد العربي ؟
– التأسيس النقدي العربي مهم ومؤثر لا سيما في نقاطه المضيئة. كتابات الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني وسواها تمت إعادة قراءتها من نقاد الحداثة وباحثيها. وتلك مفارقة تحرج التقليديين الذين درسوا التراث النقدي بشكل عام، ولم يتنبهوا للتحديث في الخطاب النقدي الذي ضمته كتُب النقاد المتجاوزين لزمنهم .ولكن لا شك في أنهم توصلوا لقناعاتهم عبر نصوص زمنهم والأشكال السائدة فيه. ذلك يجعل تكييف توصلاتهم وقواعدهم النظرية ضروريا كما هو الأمر مع القناعات المجتلبة بالتأثر من نظريات غربية مشتقة من تطبيقات على نصوص أخرى ليس من سياق نصوصنا أو حركة ثقافتنا.
هناك مبدعون حابوا المؤسسة السياسية في النظام السابق هل لاحقوهم كنقاد الصمت عن بعض التجارب التي تدخل ضمن توصيفك(المحاباة للنظام) كان يعد موقفا من النقد. كثير من الشعراء والروائيين والقصاصين كتبوا أعمالا لم يتوقف عندها النقد المنهجي وطواها التحول في حينه، كانتهاء الحروب أو تبدل النظام .كان بعضهم يفهم ذلك الصمت النقدي ،وقد واجهني أحدهم يوما في لقاء أدبي سائلا عن معنى كتابتي عن ديوان مخطوط لم يصدر بعد للشاعر نصيف الناصري وصمتي عن أكثر من عشرة دواوين له-أي السائل المستنكر. يثير عجبي دفاع بعض الشعراء والكتاب عن نظام دكتاتوري يعرفون جيدا موقفه من الأدب والثقافة. ونعلم أنهم كانوا في سياق لا يسمح لهم بالمجاهرة برأيهم فيه وهو موجود. لكنني لا أفهم حماستهم تلك رغم تذرعهم بما وصل إليه حال الوطن الان. لكن ذلك لا يزكّي النظام السابق أو يبرئه، كما أن أخطاء الحاضر كلها لا تعني صواب الماضي الذي آن لهم الانفكاك منه. المبدع دوما أكبر من أي حاكم أو نظام، فلماذا يربطون مصائرهم به؟

*كناقد هل تعتقد ان مرحلة ما بعد 2003 أنتجت مبدعين في الشعر والقصة والرواية وحتى النقد؟
– كوني أعيش مغتربا قرابة عقدين، لا أمتلك المدونات الكافية للحكم بجزم حول ما صدر أو نشر بعد 2003.دون شك كانت لي مراجعي التي تكوَّن منها كتابي الصغير بريد بغداد وهو حصرا يراجع الدواوين التي وصلتني من الداخل والخارج لشعراء عراقيين. وثمة حركة سردية واضحة تتمثل في عشرات الإصدارات الروائية والقصصية. وللإجابة سأتناول المظاهر لا الأشخاص او الأسماء. فثمة أيضا تبلور مؤكد لاتجاهات مراجعة الفترات والمراحل السابقة سياسيا واجتماعيا ،وظهور قوي لكتابات المرأة ،وأيضا ما أسميه سرد الأقليات ، بمعنى تناول معاناة الأقليات في فضاء العنف والتطرف والتكفير وسواها من المحاصيل الجانبية التي طرأت بعد التغيير. ومن الظواهر الجديدة تناول الحياة في المهاجر وأحوال المهاجرين و تنازع ولاء الأجيال الجديدة منهم، وصلتهم بالوطن والقيم المهيمنة اجتماعيا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة