دولاب الطائفية

منذ عقود ومنطقتنا المنحوسة بسكانها من شتى الرطانات والهلوسات والازياء، محشورون داخل عربات دولاب الطائفية، الذي يوزع الادوار والانواط والجوائز بين المعسكرين المتنازعين على التوالي. ومن سوء حظ العراق ان يختاره ذلك الدولاب ميداناً لاشد صولاته فتكاً ودماراً. بعد زوال النظام المباد، وعوضاً من ظهور بدائل تمهد الطريق لتحولات مغايرة لمنهج التخلف والاستبداد، طفح الى مسرح الاحداث، نوع من القوى والمشاريع مثقلة بثارات المظلومية الطائفية، توجهات اوقدت النار بكل المخلفات السامة التي نثرها نظام الحملات الايمانية بعد هزائمه العسكرية الاخيرة. وكما خدمت سياسات النظام السابق من تلقف اسلابه بعد “التغيير” رد فطاحلة العراق الديمقراطي الاتحادي “الجديد” الجميل لفلول ذلك النظام وواجهاته المتخصصة بمتطلبات “الفوضى الخلاقة”، التي كانت بأمس الحاجة لمثل تلك الخطابات الطائفية والشعبوية الضيقة. سدنة طرفي ذلك الدولاب “المصخم” لا يختلفان على المآل الذي سيقذفانا اليه في نهاية المطاف، حيث برهنت الاحداث وطوال اربعة عشر عاماً على “التجربة الجديدة” على نوع ذلك الحصاد الذي يشتركان في مهمة انتاجه وترويجه.
بعد ان انتج معسكر المظلومية التاريخية، عشرات الاحزاب والواجهات ذوداً عن الحقوق المسلوبة لهم، بادر الطرف الآخر (المهمشون) لاسترداد التوازن عبر حزمة من الكتل والائتلافات الطائفية، وبعد سلسلة من مهرجانات المصالحة والشراكة تحت خيمة المحاصصة في اعادة تقسيم اسلاب الدولة العراقية وسلطاتها الثلاث، مؤتمرات استنزفت المليارات من دولارات بيت المال، وضعت الاساس لخيم الاعتصام على الطريق السريع المؤدي الى الشام. لم يمر وقت طويل حتى تمخضت تلك الاعتصامات فولدت الفردوس المفقود على ولايات العراق والشام (داعش)، لتنتعش آمال المنتسبين لمعسكر “المهمشين الجدد” في استرداد الحقوق المهدورة. بالمقابل ادرك الطرف الآخر جيداً نوع الهدية المقدمة له من خصمه اللدود، ليظهر الى الوجود جيش من الفصائل والاجنحة العسكرية لم تراود أشد زعمائهم راديكالية في افضل مخيلاتهم الآيديولوجية والجهادية. وهكذا دار الدولاب على دولة الخلافة والمتجحفلين معها، بعد تبخر زيف عبارتهم (باقية وتتمدد) أمام اول تحد لها على ارض الواقع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بوجع؛ هل سنتعظ بعد تحرير الموصل لنترك لعبة الدمار الشامل ودولابها المصخم أم اننا على اعتاب دورة اخرى له؟
من يتابع المشهد الراهن، ونوع المناخات والخطابات والشخصيات والتشريعات التي اخذت طريقها الى الواجهة، لا يمكن ان يقنع نفسه بوجود ادنى نية للترجل من ذلك الدولاب الكارثي. فالقوم عازمون على مواصلة ذلك النهج ولكن خلف واجهات اخرى يكون بمقدورها اقناع الحشود لخوض جولات جديدة على طريق الثارات التاريخية. لا نحتاج الى تقديم امثلة وادلة على استفحال المظاهر الطائفية وتورم مشاهد التملق للاضرحة والرايات والرموز، وزوال هيبة الدولة والهوية الوطنية والحضارية، انحدار سريع خفتت امامه حتى الاصوات القليلة من رجال الدين المعتدلين والذين حذروا من مثل تلك الاستعراضات البائسة والتي لا تمت بصلة لا لقيم الارض ولا قيم السماء. الذي يحز بالقلب والوجدان هو هذا الكم الهائل من التضحيات التي يقدمها سكان هذا الوطن المنكوب من دون ان تترك اثراً في رسم مصائرهم التي تبقى نهباً للاقدار العابئة، وشراهة دولاب لن يتوقف دورانه الا بزواله او انضمامنا الى متحف المنقرضات.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة