الذاكرة التي لم تنطفئ بين أوجاع الذات وأوجاع الوطن (1-2)

علي السباك في ديوانه (من ذاكرة الوجع)
عبد الأمير خليل مراد

يرى هنري برجسون، وهو أحد فلاسفة الفن الحديث، بأنه كثيرا ما يكون الماضي عبئا على الحاضر، حيث لا يمكن للذاكرة أن تطمس ذلك الماضي في أخاديدها بفعل الزمن، وبين أن الماضي هو سلسلة من العلاقات المنضوية في وجداننا وهي تشكل بحضورها بعض أحلامنا وذكرياتنا.
وفي ديوان (من ذاكرة الوجع) يحاول علي السباك أن يستعيد ذلك الماضي عبر ضمير (الأنا) و (الأنت) في مخاطبات نثرية تتوارى فيها معاناة الشاعر وهمومه أمام الحبيبة التي افتقدها في ماض ما، وهي لا تزال حاضرة في أعماقه، حيث لا يمكن لذاكرته ألا أن تستنفر هذا الوجع في قصائد تنبض بالبوح والحنين إلى تلك المعشوقة التي لم تعد إلا رميما في ضمير الشاعر.

استخدام الضمائر
فهناك بعض الثوابت التي تتحكم في بناء هذه القصائد، وهو ما نسميه بالبناء اللغوي، إذ نرى التقسيم الثلاثي للضمائر: المتكلم والمخاطب والغائب، وهي الضمائر المهيمنة على بنيات النص الشعري، وقد تكون معظم عنوانات قصائد المجموعة قائمة على هذه الضمائر، ناهيك عن البنية الداخلية لهذا النص.
فالشاعر يميل إلى استخدام هذه الضمائر بوصفها ظاهرة أسلوبية تطبع القصائد بنوع من الوظيفة الإبلاغية التي يريد من خلالها إيصال رسالته الذاتية إلى الآخر.
ومن هذه الأمثلة، يمكن أن نرى القصائد التالية وهي قائمة على تلك الضمائر.
إليك انتمي – ضمير المخاطب – يا أنت – المخاطب – اذكري لي سببا – ضمير المخاطب – أريدك هكذا – ضمير المخاطب – عذقك الخالد – ضمير المخاطب.
أفتش عني – ضمير المتكلم – أحلامي معك – ضمير المتكلم، أنا المستعر بك – ضمير المتكلم، أنا بقعة ظل – ضمير المتكلم، ما برحت تمنعني الشروق – ضمير الغائب، هي
حين ارسم عينيك – ضمير الغائب، وضمير المخاطب أنا وأنت، أيضا.
وهكذا يلمس القارئ هذا البعد الأسلوبي في قصائد هذه المجموعة القائم على التلاحم والاندماج التركيبي بين هذه الضمائر، حيث تمنحنا سمة أسلوبية تعبيرية ذات طاقة إيحائية، فاستبدال الضمائر أو تجاورها في الجملة الواحدة يوحي بالكثير من الدلالات الجمالية والرؤيوية، إذ يقول في قصيدة (إليك انتمي ص 10)
اتشبه بك كي لا اتهم بالقبح
اتخذ هيأتك / كي لا تتساقط ملامحي الثلجية
اجدني متسع الافق
انيقا كما الحدائق.
أجدني، فيك، بينك، حولك، نحوك، منك، إليك انتمي.
إن ضمير المخاطب في هذا النص الشعري يشكل بنية داخلية قائمة على الخطاب المباشر، حيث نرى كاف الخطاب تتكرر في أكثر من جملة شعرية، وان هذه الأسلوبية تتجلى في معظم قصائد المجموعة.

التضافر الأسلوبي
كما نرى الجملة الشعرية في أكثر من منحى تتجه نحو الاستطالة في البناء النحوي، إذ تستغرق هذه الجملة الافعال الماضية والمضارعة في الجملة الواحدة، إذ يقول في قصيدة (رسالة لم تكتب بعد):
انتظر بشغف تلك الزجاجة، ربما تحمل رسالة ما.
أصغي لأصوات الصيادين حينما يغنون للشواطئ
أتلمس في ترانيمهم وحشة تشي لي بغربتي
وتشتت عيوني بين الأمواج المسافرة
لأغوار لا افهم قرارها.
لا احتوي وجهك المتواري خلف ضباب لا ينحسر
أعود لمرافئي التي هجرها البحر
إن هذا التضافر الأسلوبي بين الماضوية والمضارعة يكشف عن دلالات البنية التي تختزل مكونات الجملة الواحدة في علاقات نسقية وهي تؤلف المعنى الشعري، ولا سيما أن الكثير من قصائد المجموعة تستفز الذاكرة عبر البوح الارتدادي الذي يقوم على الحب العذري، وهو الحب الذي يذكرنا بقصائد الغزل الأولى في التراث الشعري العربي، حيث تنطوي هذه القصائد على استثمار العفوية والبراءة واستنطاق الوجع الداخلي بوصفه محركا جوانيا يؤشر علاقة الشاعر بمعشوقته التي تختفي في أكثر من تعبير شعري، فالسباك لا يريد أن تتلاشى تلك المعشوقة في أخاديد الذاكرة بعد أن استسلم لأسرارها وحكاياتها وهي تنطفئ ما بين البساتين وخبايا الأنهار الجارية، حيث يقول في قصيدة (سقطتي الأخيرة ص 24)
هكذا تتساقط النيازك عادة
تولد … تتوهج
ثم تتماهى حين تنجن بأجزائك
أغادرك فلا تغادريني
نوافذي المشرعة على أرضك
تشي لي بأسرار الخصوبة
وحكايات البساتين وخبايا الأنهار الجارية تحتك.
كما يؤسس مضمون قصائده على حساسية وجدانية تنهل من الواقع المعاش ومضاتها التي لا تتعدى البعد الإنساني في تبني الرؤى الشعرية، حيث نجد السباك يلح على مفردة المرأة في اكثر من نص شعري، والواضح أن المرأة في تشكلاتها المرآتية تنطوي على معان متعددة، فهناك المرآة المقعرة، والمرآة المحدبة، والمرآة الحلزونية، والمرآة المجاورة، وكل من هذه المرايا تمثل نواة مركزية تدور حولها تجربته الذاتية التي تغترف من هذه التشكلات بنيات النص الشعري، ففي قصيدة (إليك انتمي) نرى مرآته هي المرآة المعكوسة التي يرى فيها ذاته، وهي التي تعكس لنا وقع الخراب الذي يتبدى في عالمنا الموحش، وهو عالم لا يخلو من نفايات العمر المبتذلة، ولا يخلو من الأطياف التي تسيطر على تفكير الشاعر وهو يرمق معشوقته في حلم عابر لم يسلم من تلك الألحان الحزينة وهي تقوده من شقاء إلى آخر، حيث يقول ص 10:
واثقا أقف أمام مرآتي التي لا تجامل
أتحدى بملامحك آثار الخراب ونفايات العمر
أتلبس بك / أعاقر طيفك الذي يباغتني
وعزائي حين أتمزق شوقا إليك
إنني المحك في حلم عابر
ارتشف ضوؤك فارتوي
اغمس بكامل قامتي في عينيك
فأدرك عظم حجمي
أطلق سراح أذني
فيقتادني صوتك إلى الحاني الحزينة

مرثيات الحزن
وفي نص (اذكري لي سببا واحدا يجعلني لا احبك) نرى مرآته، وهي مرآة واحدة تتجلى فيها مرثيات الحزن الأليفة، تلك المرثيات المحكومة بالبوح والانكسار، حيث تتملك الشاعر أوجاع الصباحات الأولى، حيث لم يبرح شاعرنا أمكنته وهي تتلوى على وقع الجنون، فيلجأ إلى تلك المرآة التي تداركها الحزن ولم تعد عصافير الذكرى تطل عليه من الشرفات وهي تزقزق بأناشيد الحب والألم، يقول ص 20:
أرتشفك فلا ارتوي / لا أصاب بالصحو
خداك يصيباني بالثمالة دائما
يمنحاني فرصة أن اكتب أعظم قصيدة
لا املك أن اكتب بعدها
سوى مرثيات عن وجهك الذي يغادرني باستمرار
وأنا المصاب بالحزن / المحكوم بالبوح لمرآتي
وعصافير شرفتي العازفات عن الزقزقة
منذ رحلت.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة