عطارد.. فنتازيا الرعب

كه يلان محمد

قد لاينفع العقلُ لحل المشاكل في زمن الجنون بحيث قد تبلغ حالة العبث في الواقع إلى درجة لايُمكن تصويرها بغير مايُضايها في الأسلوب والأشكال، لذلك تجدُ المذاهب اللامعقولة فيما هو قائم من الخراب والدمار على أرض الواقع نتيجة جموح الإنسان للحرب وإطلاق العنان لطاقاته العدوانية ذريعة لمنهجها الصادم، منذ أن فشلت الانتفاضات العربية وما تلاها من التناحر وانتشار ظاهرة التوحش بأبشع صورها،قد هيمنت النظرة التشاؤمية على الأعمال الأدبية ومالت الروايات إلى تبني تقنية الاستشراف لتُنذر بماهو أسوأ إذ يحاول الروائي المصري محمد بديع في روايته (عُطاردْ) دار التنوير2015 التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر بنسختها العربية استطلاع مستقبل بلده ويتوقع بأن ما تحملهُ السنوات المقبلة أشدَّ قتامة لذلك تعومُ شخصيات روايته في عالم فائض بالإجرام والاكتئاب والكابوسية، فهو لايناشد عالماً يوتوبياً في عمله بل بالاستناد إلى المعطيات المتوافرة يتنبأُ بأنَّ غريزة الهدم ستكون سائدةً كما تصيرُ مشاهدة الاحتفال بالقتل والشنق مُتعةً وحيدة .

شعرية اللامعقول
لايدع الكاتبُ مجالاً للمتلقي ليستأنسَ بتضاريس العمل بل يفاجئه باستهلالية سوريالية إذ تصطدم بمشهد مُشْمئز حيثُ يأكلُ رجلُ لحم أولاده المطبوخ وهو يتفرجُ على شاشة التلفزة مُتابعاً الأفلام ويبدو أنه متشاجر مع والده الجالس على عربة المرضى إذ إنَّ الأخير يعترضُ بإشاراته على ما يعملُه ابنهُ كما لايوافق على مشاركته في أكل لحوم البشر. فآكل اللحم يبررُ موقفه بخسارته الفادحة في سوق البورصة، توافق هذه البداية مع ما تتعاقب من المقاطع المُكونة لمتن الرواية، كما أنَّ المؤلفَ أراد بذلك أن يَسْتنفرَ طاقاتك الإدراكية قبل أنْ تندمج في عوالم كابوسية ومن ثم تنتقلُ بؤرة الضوء إلى ضابط في الداخلية أحمدْ عُطاردْ الذي يُسردُ ملابسات احتلال مدينة القاهرة وانفصال المدينة إلى شقين بعد اجتياح جيش فرسان مالطا إلى قسمها الشرقي إذ يتناولُ الساردُ مُبادرةَ الغزاة لإنشاء حكومة برعايتهم ويصور عجز أهالي في تصديهم للمُحتلين ويضعك أمام التحولات التي قد طالت تركيبة المجتمع وأذواق الناس إذ تقنن الحكومة الجديدة ظاهرة الدعارة وتتعبأ وسائل الإعلام لتزويق هذا القانون وعرض مزاياه ويقبل الناس على تعاطي الكاربون بحيث تتعطل مشاعرهم ويفقدون الإحساس بمحيطهم وذلك يتضح أكثر في ما يقدمه الراوي من انطباعات غامضة بعد تناوله لهذه المادة، ويهدف الكاتب من وراء إيراد غياب الوعي واحتلال مصر في بناء روايته إلى وجود التلازم القائم بين الغيبوبة الحضارية والمشروع الكولونيالي ،أضفْ إلى ذلك يهم صاحبُ (كوكب عنبر) الالتفات إلى ماتعتور وجوه الناس من التشوهات وتفسد أذواقهم بحيث تنتشر توليفة موسيقية سوريالية وهى خليطة من أصوات المُعذبين وصوت الخنزير والحمار وبذلك يكون محمد ربيع موافقاً لرأي سُقراط إذ الأخير يقول بأنَّ تدني الأذواق الموسيقية مؤشر لظهور الأنظمة الفاسدة.

لُعبة الأقنعة
تتنوع الأساليب التي يسلكها الكاتب لإكساء عمله وشاحاً لامعقولاً إذ ترى الشخصيات مرتدية الأقنعة. يُنْحَتُ قناع للراوي على شكل ملامح بوذا كما يظهرُ صديقه جون المُلقب بـ (القديس) بقناع أنور السادات.يتمترس الجميع وراء القناع حيث تتبين غرابة هذا الموقف حينما يرتادُ الراوي إلى المنطقة التي تسكنُ فيها بائعات الهوى تتموقع عدسة الراوي على السلم لا أحدَ يتبينُ ملامح الآخر هنا يدركُ المتلقي دلالات مضمرة في المشهد حيثُ تتفاقم ظاهرة النفاق على مدار واسع كما أنَّ في استعادة صور الجيل السابق من الفنانين والسياسيين إدانة واضحة لجيل كسيح يعتاشُ على من سبقه، وتتشابك في هذه اللعبة ألوان متباينة من طبائع ورموز. وبذلك تكتمل تقاسيم عالم هائج مائج يغيبُ فيه صوت العقل ولايولد فيه غير الجنون الذي يتمثل في أقبح منظره بما يذكره الناصُ من إقدام أحد الشخصيات على الانتحار إذ يقف رجلُ من على جسر وقد نصب مشنقة ويصفق له المارة ويشجعونه للإسراع بتنفيذ فكرته لكن قبل الانتحار يَتَبوَلُ على المتفرجين يمرُ عليك ما يُماثل تلك الفعلةَ فظاعة بينما يمطرُ الراوي الناس بوابل من النار وتتناثر الجثث إذ يرى من برجه مجموعة من الصراصير يتناوبون واحداً تلو الآخر على جثة امرأة يغتصبونها .حالتان من المازوشية والسادية تتنازعان مزاج المُجتمع.عندما يتوقف صاحب القناص وهو أحمد عُطارد في برجه عن وقف إطلاق النار تتناهى إليه صيحات الناس مطالبين إياه بالاستمرار في مهمته وإنزال رصاصاته عليهم هنا تتأكد لديك صحة كلام نوال السعداوي وهي تقول بأن المقهور يُقهرُ نفسه.

شخصيات سلبية
تطغى على وقائع هذا المُؤَلف شخصيات سلبية بحيث تغيب عناصر متضادة بل تجمع الكلَ تموجات من أحداث رهيبة بجانب شخصية الراوي تتارص شخصية كمال الأسيوطي وسليمان الماضى ورجل الزبالة ورجل الكلاب وفريدة وهي عشيقة أحمد عطارد وماهو مشترك بينهم هو التخبط في وحل القذارة والاستهتار بالقيم كما يوظف الكاتبُ شخصية أسطورية وهي صخر الخزرجي هنا يلجأُ محمد بديع إلى تصميم سينوغرافيا الملاءمة من خلال رسم مشاهد محددة لعرض ماوقع في سنة 455 الهجرية حيث يتوهم الناسُ بأنَّ صخر الخزرجي قد مات ويتصارع أعمامه وأخواله على من له الحق في غسل جثته إلى أن يباغتهم الميتُ بالخُطبة وتنتاب الحضورَ حالة من اللبس لمْ يَعُدْ بمقدورهم الإدراك هل هم من الأموات أو الأحياء. وتبرز شخصية زهرة بحمولتها الرمزية فهي طفلة تتوه بين الأموات في المشرحة بحثاً عن جثة والدها يصاحبها إنسان، فالطفلة تعتمد على شم الرائحة لتتعرف على أبيها إذ لا تمضى إلا فترة قصيرة حتى تُصاب الأخيرة بوباء يفقدُ جسمها كل وظائفه الحسية، وهي ليست وحيدة في ما تعانيه من رزء العاهة الغريبة ثُم يتضح بأن هذا المرض شائع في أسرة زهرة، تتوالى الأحداث البالغة في السوداوية وإذا بحثتَ عن الثيمة الأساسية لاتجد غير الموت بل يكون الإفراط في القتل وسيلة لتحريض الناس لمناهضة المحتل وتُشفر عملية القتل بِعبارةِ إرسال الناس إلى الجنة.ويتضمن العمل عبارات مفعمة بدلالات إنسانية وأنت تسمع أماً تُبدى استعدادها لمقاضاة جنتها في الأخيرة بحياة ابنها في الدنيا. وتختم الرواية باقتياد فريدة إلى المقصلة ويتبارى الناس ُ للحصول على أجزائها المُقطعة يذكر بأن محمد بديع قد تأثر برواية (العطر) للألماني (باتريك زوسيكند) لاسيما في المقاطع التي يركز فيها على حاسة الشم كما أنَّ المشهد الأخير مستوحى من نهاية قصة القاتل إذ تختلط رائحة الشهوة بالدمِ وتصل العدوانية إلى ذروتها، الرواية موزعة على أربعة أقسام ماعدا المدخل.في الجزء الأول والأخير يستشرف الكاتب حالة مصر في 2025 أما في القسمين الاخرين يعود إلى سنة 2011 وسنة 455 الهجرية. هنا علينا أن نتساءل هل التشاؤم هو موقف فلسفي إزاء الحياة أو نتيجة لما تعيشه المجتمعات من انحطاط على كل المستويات؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة