الأخبار العاجلة

الزعيم السياسي عندما يواجه جمهوراً غاضباً عليه

معروف ان واحدة من لوازم الكاريزما التي تصنع زعامات جذابة للجمهور وتحظى باجماع تيارات الشارع المختلفة هي نجاح الزعيم في احتواء حالاتٍ يجد فيها نفسه حيال جمهور غاضب وغير راض عنه لكي يعرض كفاءته ليكون قائداً للشعب المتعدد الاهواء والارادات، وقدرته على تهدئة المشاعر «المعادية» ونزع فتيل الاحتقان عنها، وحصانته ضد محاذير الانفعال وردود الفعل المعاكسة، ويعمل الزعماء الراشدون على الافادة من الحدث «السلبي» في جس نبض اتجاهات الرأي العام واختبار صلاحية وسائل الاقناع التي يستعملها،
اتحدث عما جرى لزعيم حزب الدعوة وكتلة دولة القانون، رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية السيد نوري المالكي خلال زيارته الى الناصرية والبصرة من اجواء مناهضة ومواجهات مع جمهور غاضب عليه، على خلفيات سياسية، وهي تتسم بالانفعال، والتجاوز على فروض التعبير عن الرأي، حيث أظهر المالكي تعجلا في الحضّ على القصاص من «المتطاولين» والإعداد الى «صولة» عليهم، الامر الذي زج المشهد في حراجة سياسية وأمنية لا لزوم لها، ويذكرنا ذلك بحادثة مقتل الاعلامي محمد بديوي قبل اكثر من عامين على يد ضابط من الحراسات الكردية عندما حضر المالكي وكان رئيساً للحكومة الى مكان الحادث في تظاهرة انفعالية وضع شعارها بنفسه «الدم بالدم» خلافاً لفروض مسؤوليته كونه الحاكم الاعلى في البلد ولموجبات احتواء الحدث وترك العدالة تأخذ مجراها، والحيلولة دون تأثيث العلاقات العربية الكردية بمزيد من التوتر.
اقول كان على السيد المالكي في البصرة أنْ يُظهر لنا حكمة «كاظمين الغيظ» ويتعامل مع الغاضبين اللائمين بروح الهدوء والتعاطف مع بعض مطاليبهم الانسانية اسلوباً لنزع فتيل الفتنة والتداعيات الضارة، مسبوقاً بما فعله رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي في بغداد يوم زار موقع مجزرة الكرادة فهاجمه جمهور غاضب كان ينتحب حول بركة الدماء والاشلاء حيث عبّر الرجل عن احترامه لتجاوزات هذا الجمهور واعتذر لمهاجميه واعطاهم الحق في الانفعالات والتعبير عن أساهم المشروع من دون ان يتوعدهم بالملاحقة او العقاب.
في كتابه بعنوان(قصة تجاربي مع الحقيقة) حشّد المهاتما غاندي وقائع كثيرة عن مواجهاته مع جمهور هندي غاضب عليه حيث يعرض علينا رباطةَ جأشٍ وصبرٍ في التعامل مع «الجمهور السلبي» تصلح ان تكون درساً لكل زعيم سياسي يتطلع للوصول الى قلوب ابناء جلدته والتفافهم حوله، وفي احدى تلك المواجهات فاجأه شاب من الجماعات التي تقاتل بالسلاح الوجود البريطاني في بلادهم بالهتاف “أيها الخائن” فرد عليه غاندي قائلاً: “إنه خطأي أنا، لأنني لم أعلمك الحب» وخلاصة تلك التجارب تؤكد ان الزعيم السياسي لا ينبغي ان يقضي اوقاته بين انصاره والمقربين منه واولئك الذين يبادلونه الافكار والتطلعات نفسها ، فان ذلك يعزله عن قطاع من الامة بما يحمله هذا القطاع من افكار واعتراضات قد تعرقل طريقه الى تحقيق رسالته وتُسقط شرطاً اساسياً من شروط الاهلية للزعامة.
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة