حزب نصيص

لم يتعرض حزب سياسي لحملات ظالمة ومكثفة ومبرمجة من التشويه والاساءة، كما حصل مع الحزب الشيوعي العراقي، والاجحاف الاشد لحق به من المخلوقات المستلقية على سنام زعامته منذ عقود، قيادات ذيلية لم تكلف نفسها في التصدي لكل تلك الحملات التي تناهشته من كل صوب، ولم يبق احد من المنتسبين لمعسكر “الرسائل الخالدة” لم يجرب حظه في النيل من مسيرة الحزب ومحطاته المختلفة وزعاماته الحقيقية، ليبقى الارث اليتيم لحزب المستضعفين في التدوين، اما منسياً أو نهباً لاقلام المتخصصين بترميم سيرة القتلة والجلادين كما حصل طوال أكثر من الف عام وعام، ويتواصل اليوم بكل صلافة وعنجهية برغم أنف الصناديق ومنظومة الحقوق والحريات المستعارة. عندما أكتب عن عميد الاحزاب، فانني أكتب دفاعاً عن ارث وطني وانساني يتعرض لحيف وتزييف من قبل حثالات الثقافة والاعلام، لا دفاعاً عن قيادات ونهج ما بعد اغتيال المشروع الوطني (الجمهورية الاولى) عام 1963.
في المجلدات الثلاثة التي دونها الباحث حنا بطاطو، خصص الكتاب الثاني منها، لنشاط الحزب الشيوعي العراقي ودوره في ذلك العنفوان، الذي شهده تاريخ العراق الحديث منذ الثلاثينيات الى الستينيات من القرن المنصرم، وهذا ما تعجز عن محوه وتغييره مؤسسات الارتزاق، كما اقترن التدهور العام الذي لحق بالبلد، بالضعف والهشاشة التي لحقت بذلك الحزب في العقود الخمسة الاخيرة. لا كما يدبج البعض عن “جرائم” الشيوعيين وتصفيتهم لخصومهم عبر (الحبال والخوازيق) كما كشفت عن ذلك حفريات أحدهم في مؤخرة جلاد قصر النهاية واقبية الامن العام المجرم ناظم كزار. مثل تلك الافتراءات والاكاذيب تحولت زمن النظام المباد الى كتب ومؤلفات يتم تداولها بوصفها “حقائق” لا يتجرأ أحد على الشك بها، بوصفها الرواية الرسمية الوحيدة المسموح بتداولها في وسائل الاعلام وقاعات الدرس ومراكز البحوث، وعبر أكثر من اربعة عقود على تزويقها وتكرارها وترويجها؛ وجدت طريقها بوصفها حقائق لا غبار عليها. كان ذلك قبل انتشال “قائدهم الضرورة” مذعوراً من جحره الأخير. لكن ان تعود ماكنة الفلول لاعادة تدوير مدونات الكذب والتضليل بعد “التغيير” فان ذلك يؤشر على وجود خلل عميق في بنية هذه التحولات.
الحزب الشيوعي العراقي كحركة سياسية واجتماعية، لا يمكن ان يكون بمعزل عن تأثير العوامل والشروط المحيطة به، فالحركة والديناميكية تمنحه العنفوان الذي اهدى العراقيين جزءاً كبيراً من ذلك الارث المشرق الذي يفتخرون به في شتى مجالات الابداع في السياسة والفكر والثقافة والفنون، وهذا ما لم يقدمه أي حزب أوحركة في تاريخنا الحديث، كما ان الركود والسياسات الذيلية قد جففت كل تلك الامكانات وجعلته طارداً للمواهب والقوى الحية وبالتالي لقسم كبير من ثقة الناس، وهذا ما افصحت عنه صناديق الاقتراع لعدة جولات. المتابع المنصف لتاريخ عميد الاحزاب السياسية في العراق لا يمكنه وضع الشهيد سلام عادل في خانة واحدة مع ذلك النكرة نظرياً وعملياً والذي حل محله في قيادة الحزب بعد اغتيال الجمهورية الاولى (عزيز محمد) والذي تفرد بمقاليد الامور لاكثر من ربع قرن، أوصل فيها الحزب الى أرذل العمر. ليس غريباً اذن ان يتحول من كان ذات يوم أقوى حزب شيوعي في المنطقة والعالم (من الناحية الجماهيرية) الى حايط نصيص لكل من هب ودب على تضاريس هذا الوطن المستباحة، لتلقى على شماعته كل موبقات السفلة والقتلة وحثالات الارياف والمدن..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة