لا يزال مفهوم الشعر موضع خلاف عميق

الناقد حاتم الصكر:
(1-2)

حاوره: خضير الزيدي

يشكل حضور الناقد العراقي حاتم الصكر الدائم في الأوساط النقدية العربية والعراقية وسجالاته حول القضايا الإبداعية المختلفة علامة لافتة استطاع من خلالها ومنذ زمن طويل صياغة رؤى نقدية خاصة عرف بها خصوصا في انحيازه لمنهجية معرفية في التعامل النقدي مع العديد من المباحث والمسائل الثقافية والأدبية، في هذا الحوار ثمة العديد من الأفكار تكشف عن جرأته ومغامرته في حقله إضافة إلى ما لجوهر النقد الباحث عن كل جديد والنقد المتابع لمجريات التطور الثقافي عبر مدارسه ومحاوره المتعددة ..هذا اللقاء يكشف جزءاً من طروحاته وآرائه
MSISDN: 9647823506207

*كنت مع نخبة من النقاد الذين ينظرون للتجديد في القصة والشعر وحينما تغير المناخ الشعري من التفعيلة لقصيدة النثر تحركتم بكلا الاتجاهين .السؤال هل الشعر والقصة يحركان النقد ام النقد يحركهما؟
العلاقة بين النصوص والنقد علاقة تنافذية يغذي أحدهما الآخر. كثيرا ما تستند النظرية النقدية إلى أعمال أدبية توحي بالأفكار والتعديلات على الرؤى النقدية والمناهج.التعديلات التي جرت على المنهج الواقعي مثلا وابتعاده عن الفوتغرافية والوثائقية والانتقال إلى الواقعية الجديدة أو النقدية أو السحرية ،إنما جرى بوحي أعمال محددة وسّعت دائرة تمثيل الواقع وتجاوزت النقل المباشر والخطابي. والبنيوية ذاتها تأثرت بالاتجاهات اللسانية وبحثت عما يسمى المهيمنة النصية أي ما يقدم النص من مزايا تتيح اختيار المقترَب الذي يصل من خلاله محلل النصوص أو القارئ والناقد إلى البؤرة التي تتفرع عنها أشعة النص ومفرداته . النقد بحاجة لنصوص فاعلة ومغيرة ليواصل كشوفاته وتوصلاته. لن ننسى أن قصيدة مثل أنشودة المطر للسياب مثلا أدخلت النقد العربي في مجال تفحص الأسطورة والرمز وتوظيفهما في القراءة النقدية ؛ لأن الأنشودة قدمت وعيا وتمثلا للرموز والأساطير شجع النقد على تطوير الاستخدام الرمزي والأسطوري والتنظير له. والتفريق بين مستوياته وكيفيات توظيفه في مبحث التناص خاصة واكتشاف ما في النص من إحالات و تضمينات لسواه.

* أنت كناقد لك بصمة تختلف عن النقاد العراقيين الآخرين. هل تعيب على النقد العراقي انه نقد انطباعي وبنيوي؟
الانطباعية والبنيوية وسواهما من المناهج النقدية ما هي إلا وسائط لتوصيل الأفكار والرؤى والتصورات. ولا يعاب على منهج ما وصفه بالانطباعي أو البنيوي مثلا. ولا أتفق مع صيغة السؤال بتحديد الحركة النقدية العراقية بالبنيوية والانطباعية فقط.هناك توجهات أخرى اجتماعية وألسنية وثقافية ونفسية لها رصيد طيب في المحصول النقدي في العراق .ربما كانت لنا ملاحظات حول الإجراءات النقدية التي استغرقت جهودها البحث عن مصطلحات وتفريعات كثيرة ونقل حرفي عن المنهج الغربي دون تكييفه محليا أو سياقيا .وهذا حصل في المحاولات النقدية السردية تحديدا وفي بدايات التعرف على أدوات تحليل المتون السردية بعيدا عن الانطباع أو الأحكام الأخلاقية والسياسية على النصوص

* بوصفك ناقدا اين تجسد الشعر والقصة هل في جيل الثمانينات ام السبعينات؟
لم أفهم جيدا المقصود من السؤال فلكل جيل اهتماماته وموضوعاته وبالضرورة له أساليبه في التعبير عن ذلك كله. أما الشعر والقصة كأنواع أدبية فهما لا يختصان بجيل دون سواه. في السبعينيات ظهرت أساليب وأشكال مختلفة جسدتها أعمال شعرية وقصصية مميزة ،وفي الثمانينيات كذلك. لكن السؤال هو عن التحولات التي طرأت على تلك الأنواع ومدى التحديث الذي جرى عليهما وعبر الأعمال المنشورة.

.* بعض النقاد يتكالبون ذما لقصيدة النثر وهي قصيدة لها جذور تاريخية اقلها النص الصوفي لماذا هذا التكالب؟
لا يزال مفهوم الشعر موضع خلاف عميق. تصورات التقليديين تربطه بالوزن والقافية والموضوع المنكشف للقارئ واللغة المناسبة لذلك وما يتبعها من صور وأخيلة. فيما يراه آخرون متسعا يشمل كل ما له أثر الشعر التقليدي وتأثيره. لقد ساعدت عوامل كثيرة أسميتها بالممهدات في كتابي حلم الفراشة المكرس لقصيدة النثر ،أي أنها أسهمت في تخفيف المطلب الوزني من القصيدة. وصرنا نبحث عن الدلالة والإيقاعات المتنوعة داخل النص .حصل هذا عبر إحياء النصوص الإشراقية –الصوفية تحديدا كتابات النفري والخراز وابن عربي وغيرهم – وكذلك عبر ترجمة الشعر الأجنبي للعربية وبلا مهيمنات إيقاعية، أي بالنثر مع بقاء أثره في القارئ ويقينه بأنه يتسلم نصا شعريا رغم نثريته. ذلك كله أعطى مبررا لقبول قصيدة النثر وشعريتها ،أي النُظُم المتحكمة في كتابتها. وكأي دعوة تحديثية تم رفض قصيدة النثر، وطال أمد قبولها مؤخرا ،ودخولها حتى في الدراسات الأكاديمية. الجسم الشعري العربي الموروث والشكل (العمودي والوزني الحر) جسم كثيف وقوي ومؤثل له امتداداته الزمنية من هنا صعب اختراقه.لاحظ قبول الغرب لقصيدة النثر وقبلها الشعر الحر أي المنثور لديهم دون ضجة أو اتهامات ورفض حماسي ،والمسألة تظل مرتبطة بمفهوم الشعر نفسه والمدى الذي يتقبله الناقد والقارئ لتوسيعه أو تطويره

*رؤى عبد الله الغذامي واتجاهه في النقد الثقافي اصبحت مؤثرة وواضحة على الكثيرين لماذا لا يوجد في النقدية العراقية من اشتغل بهذا الاتجاه؟
دافعنا عن أدبية النص عند ظهور الدعوة للنقد الثقافي بطريق الناقد عبدالله الغذامي ونحن نرى أن النقد يظل في مجال الأدب بموضوعاته وأساليبه، ولم نوافقه بدعوته لموت النقد الأدبي في كتابه (النقد الثقافي- قراءة في الأنساق الثقافية العربية) ولا في الحيثيات التي ساقها، مبررا محو تجارب شعرية كبيرة ومهمة لأبي تمام والمتنبي ونزار قباني وأدونيس مثلا. عمليا وسّع النقاد العراقيون والعرب مفهوم النقد الأدبي وتفريعاته كالاهتمام بالمهمشين في الرواية أو الكتابة النسوية وسواهما من الموضوعات ذات الجانب الثقافي ولكن برؤية أدبية أولا. ولم يمت النقد الأدبي كما توقع الغذامي رغم انتعاش الدراسات المنضوية تحت مفهوم النقد الثقافي، ووفق نظرية ليتش الذي نقل عنه الغذامي تصوراته النظرية وانطلق ببراعته التحليلية وحذقه وحساسيته؛ ليطبقها على نصوص شعرية، رأينا انه تحامل فيها كثيرا على متونها ؛ليصل إلى إثبات تهمهِ للشعرية العربية من خلال بعض ذراها ؛بأنها نسقية وفحولية. وهو ما لم يكن يعتقده بصددها قبل افتتانه بالنقد الثقافي.
– شخصيا وفي وقت مبكر يعود لمطلع التسعينيات عاينت نصوصا غير أدبية وموضوعات ثقافية خالصة في كتابي البئر والعسل ومن ضمنها قراءة لنصوص المجانين ولظاهرة العمى والشعر المتصل بها والتعاويذ والتطير من الغراب والطبيعة التواصلية المنقطعة في الأسرار ورمزية الخبز والنذور في التراث الرافديني وسواها. لكن ذلك لم يتم بمعزل عن أدوات النقد الأدبي وإجراءاته وأسلوبه أيضا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة