مشكلة الترجمة.. إشكالوية التقديم

أحمد ضياء

ظل الفرد العربي مهوساً في نشاطات الترجمة والتقديم بحكم افتقارنا إلى اللغة وهو يجد ذاته عبر موتيفات خطابية تكاد تكون مثل البرقيات تتراوح حسب المادة المعرفية التي تطرحها وتوجد بالتأكيد الكثير من الاستثناءات المهمة التي على أساسها نتعرف على خلجات الكتاب ومواده الرئيسة المتناثرة هنا وهناك، وخلال هذه الموجة المتعصبة للتقديم ترشح الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تحتدم بماء جسور متقاطعة مع المواد الثقافية أو هي وجهة نظر تقتضي الشخصنة أكثر من المادة المعرفية وبالتأكيد قابل للنسف من أول وهلة لأنها تفتقر إلى الموضوعية بشكل أساس.
الديباجة الأدبية التي تظهر الحرص للمترجم هي من تدفعه للذهاب صوب مادة أو كتاب غير معروف سابقاً ونقله إلى اللغة العربية وهي مسألة رئيسة في محراب الترجمة وهي بالتأكيد فعل ناجع مراد منه بث روح معرفية / جمالية تعبر عن الواقع بمفاتيح مختلفة لإضافة ذاتاً كتابية أمام فعل الجهل والتخلف، فالاتصال الثقافي هو حرب باردة على من يسجلون الانتصار (وأن تعرف لغة قوم، تأمن شرهم)، لكن موضوع الترجمة الآن أخذ له مدى تعود مفاتيحه إلى الترجمة التأويلية والترجمة الحرفية وما يهمني الآن أشكالوية التقديم المضافة إلى هذا التيار الخطابي لأن التقديم يكون هدفاً اعتدنا على قراءته بعده المدخل الأول لنافذة الكتاب.
مع مرور الزمن ينبغي أن يحسب مقدم الكتاب المدى الوعي أو المعرفي الذي ستعيش به كتابته واللذين يكتبون للحظة الآنية لا يجدر بهم الكتابة مطلقاً وأورد هذه المداخلة لتكون مدخلاً أولياً لدراماتورجية التقديم. فمترجم ومقدم مسرحيات (العارض وبيرينيس المصرية) عصام عسيران وقع في أخطاء مفاهيميه تقديمه كبيرة إذ به يعكس تعنصره للغته نحو مديات مهمة فيجد المقدم «إن الغرب لم يعترف بابنائنا»ص6. كمبدعين أي أن اللذين هجروا اللغة الأم إلى لغة جديدة هم مهمشين مقموعين ويجدر السؤال الآتي هل ذهب المترجم والمقدم لهذه الكاتبة المسرحية والشاعرة أيضاً من منطلق أنها عربية أم من خلال تضاريسها الكتابية الإبداعية؟ وهذا الأمر ينعكس بشكل رئيسي على كافة الأعمال المترجمة للأفراد الفرانكفونيين والانكلوسكسونيين. وفي ذات الصفحة المكتوبة يناقض المترجم والمقدم ذاته، حيث يعارضها ويجد ذلك في «لنا حقيقية باهرة، تتمثل في إصالة ذلك الأدب (العربي المكتوب باللغة الفرنسية والانكليزية) الصادر عن صدق التعبير وعن تجارب من متطلبات الفنون الأدبية الراقية»ص6. وبين الاقتباس الأول والثاني هناك تناقض كبير لم يستطع المترجم أن يتحسسه وهو يدون هذه المقدمة، غير أني لا أجده يحاول ان يضع الورقة بحروف سوداء غير معروفة وانما لأجل التقديم فقط. وهنا يرد على نفسه ويناقضها في الصفحة نفسها. فكتابنا المتجهون بذاتهم الكلية إلى محراب لغة انسانية واسعة الانتشار كاللغة الفرنسية ابدعو. الا أنه في مطلع الاقتباس الأول يطرح رأياً مخالفاً إذ به يجد أن الغرب لم يقدروهم ولم يعترفوا بهم فكيف ابدعوا في لغة ثانية.
فالتقديم هو فعل دراماتورجي ينبغي أن يكون له باباً معرفياً وذا إطلاع عميق بالمادة التي يرغب بتقديم لها حتى وأن كان مترجماً للمادة لكي يجعل من هذا الفعل الدراماتورجي التقديمي مفتاحاً وعاملاً إبداعياً يضيف للكتاب المترجم ولا يأخذ من بريقه أو نشوته الإبداعية. وعلى خلاف هذا الأمر نجد المترجم والمقدم (شكير نصر الدين) كنموذج وليس للحصر مقدماً خطراً يشاد له بالبنان فهو يضيف إلى المنجز الترجمي ويمنحنا مقومات تأويلية تسهم في سبر عالم من الألفاظ والمعاني الصوابية فهو لا يتكلم بلغة الأنا الشخصية بل بلغة المعرفة التي تمنح الكتاب مساراً حقيقياً يضفي صورة جمالية / تفهيمية إلى الإنسان القارئ منفتحاً على مشاريع وميدان تصدح بها النواة الإيجابية بالإبداع والمفاهيم الصائبة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة