الأخبار العاجلة

اختلاف لا انحطاط

برغم التحولات العظيمة في مجال القيم والأخلاق والشرف الذي شهدته البشرية بعد سلسلة الثورات الفكرية والقيمية، إذ تجاوزت مسطرة الشرف المعمول بها في مجتمعات ما قبل النهضة، إلا أن مسطرة عصور التخلف ما زالت هي السائدة على حساب منظومة القيم الحديثة التي أعادت الروح لعبارة (قيمة كل امرء ما يتقن) والتي دوّنها أسلافنا ذات عصر من النهضة والازدهار. إن هذا الطفح الهائل من الاسفاف والابتذال في مواجهة من يختلف معنا في الفكر والممارسة والسلوك والموقف، يعكس حجم الانحطاط الذي دفعتنا إليه عقود من الهيمنة المطلقة لحثالة الأرياف والمدن وأكثر من عقد على سلطة قوى التشرذم الفئوي والاثني والطائفي، إذ جففت بنحوٍ مريع، منابع التحضر والتهذيب وإدارة فن الاختلاف بين بعضنا والبعض الآخر، وبنحوٍ لم تتخيله أكثر العقول تشاؤماً.
ما أشرنا إليه من مظاهر القبح والابتذال في الممارسة والسلوك تجاه الآخر المختلف، لم تكن بهذا الشكل الواسع الذي هي عليه اليوم، وكما ظهرت وتمددت لأسباب سياسية وتأريخية معروفة، يمكن التصدي لها عبر البرامج الناجعة والمجربة في هذا المجال لدى شعوب وأمم سبقتنا في مواجهة مثل تلك التحديات. لكن ما يعيق مثل تلك التطلعات المشروعة، يكمن بالأساس، لا في عدم إيمان من امتطى صهوة السلطة العليا في البلد بمثل تلك البرامج والتطلعات وحسب، بل امتلاك أغلبها لأجنحة مسلّحة وعصابات تشد من أزر تلك التصرفات والخطابات البعيدة عن أبسط تقاليد إدارة الاختلاف والتعبير عن الرأي. قد تبدو هذه المسألة (التعاطي مع الآخر المختلف) بسيطة ومحدودة ولا تحمل كل هذه المخاطر والآثار التي أشرنا إليها، لكن ما جرى في العقود الأخيرة من تأريخ العراق الحديث، تؤكد أهمية وخطورة مثل هذه الثقافة على المصائر الحالية واللاحقة. أن يتحول الاختلاف الى نقمة وسلسلة من الكوارث، يعني أننا لم نتعرف على ما اكتشفته الأمم الحرة في الاختلاف من معنى وثراء وحياة، هذا الاغتراب عن منظومة القيم الحديثة المترعة بفن إدارة الاختلاف وتسخيره لخدمة الإنسان في حياة حرة وكريمة تليق به؛ سترصد لنا المزيد من المفاجآت غير السارة.
مع التطور الهائل في مجال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، شرّعت الأبواب أمام قطاعات واسعة من المجتمع كي تنخرط في التعبير عن آرائها وقناعاتها في مختلف قضايا الحياة المادية والقيمية. مثل هذه المناخات المفتوحة للتواصل أتاحت فرصة لا مثيل لها للتعرف على بعضنا البعض الآخر، وكما أن (الإناء ينضح ما فيه) فإن هذه الشروط الجديدة أزاحت كل ما يمكن أن يعيق البشر في التعبير عما يدور في ذهنه من أفكار، وأسهمت في تعرية واقع الانحطاط الذي انحدرت إليه بعض المجتمعات والأفراد والجماعات لأسباب موضوعية وذاتية. من يتابع ويتصفح عدد من المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي في العراق، لن يجد صعوبة في تلمس ذلك الكم الهائل من الانحدار الذي انحطت اليه تلك الجماعات، إذ مفردات السباب والشتائم البذيئة، ومحاولات الإساءة والحط من قدر المختلف معهم، ولا سيما ما يتعلق بالجانب الأكثر إيلاما في المجتمعات الشرقية أي (الجنس ونساء العائلة) وكل ما يتعلق بالأصل وما يتعلق بالعلاقات “المشروعة وغير المشروعة” وكل ما يدخل في قاموس المفردات البذيئة لهذه المجتمعات.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة