الأخبار العاجلة

الثقافة العراقية وخيارات الحداثة

علي حسن الفواز

وسط تفاقم الأزمات، وشعور الإنسان بالإحباط والعجز تبرز الحاجة إلى معالجة ثقافية لمشكلات الواقع العراقي، فإزاء هذه الأزمات تتبدى الكثير من مظاهر الخلل، والتي يرتبط الكثير منها بغياب الرؤية الواضحة، وعجز المؤسسات القائمة من أنْ تقوم بدورها التاريخي والدستوري في سياق مواجهة الحاجات الوطنية..
ومن هنا نجد أنفسنا أمام الحاجة إلى ضرورات تبني خطابٍ نقدي، والى الدعوة تفعيل خطاب النقد ليكون نقدا شاملا، للدولة وسلطاتها ومؤسساتها، وعلى وفق تفعيل وظيفة الخطاب الثقافي النقدي بالتزامن مع ضرورات تنشيط وتحفيز الخطاب السياسي والخطاب الأمني والخطاب الاقتصادي لتكون بمستوى مواجهة تحديات الإرهاب، وتحديات بناء الدولة..
إنَّ الطريق إلى الحداثة هو الخيار الأكثر واقعية في التعاطي مع هذه التحديات، ومع ضرورات توسيع مديات التنمية والتعايش المشترك، ولتعزيز فعالية وجود المجتمع القوي، وللتأكيد على أهمية الخيار العلمي والعقلي في مواجهة محنة ما نعانيه، وما نعيشه من أزمات، فالحداثة في هذا السياق هي إجراء عقلاني، وهي ممارسة للتنظيم والتخطيط، مثلما (الأنموذج العقلاني في التفكير، والذي يعنى بحقول الفاعلية الإنسانية المتنوعة، من علمية ومعرفية وسياسية واجتماعية وغيرها) كما يسميها عز الدين الخطابي، لكن الأخطر ما في الموضوع يكمن في الكيفية التي ينظر بها الآخرون إلى ظاهر حركة الحداثة في المجتمع، وإلى المحرك الذي يجب يوضّح سمات تلك الحركة ويرسخها في العقل الجمعي، وسياق الاستعمالات الوطنية والشعبية.
إن ما نعيشه من وقائع وصراعات وحاجات يعكس ما هو خلاف ذلك، فمازالت الكثير من مفاصل الدولة خارج التوصيف الحداثي، ومازالت حركة المجتمع تعيش وقائع الصراعات الأثنية، والهوياتية، والتي هي إرثٌ تركته الأنظمة السابقة بمرجعياتها الطائفية، والحزبوية والعسكرية وحتى بطريقة فهمها الضيّق والإشكالي لما يسمى ب(الدولة القومية)
واليوم حين نفكر بمشروع حقيقي ل(تحديث) منظومة الدولة، فإننا لاشك سنجد أنفسنا أمام فهمين مختلفين للتحديث وللحداثة، فالتحديث يتمثل في استهلاكِ التقانة، وفي إبراز مظاهر العمران وتأمين الكثير من الحاجات التي تتعلق بالخدمات والنظام العام، والحداثة هي نظام متكامل للمعرفة والتنمية والتفكير، ولمأسسة منظومات الحرية والحقوق والعدالة، أي ربط وجود الإنسان بالدولة عبر المواثيق، والعقود، وإعطاء العقل ضرورته وصدقيته في تأكيد شرطية العلاقة الإيجابية ما بين المواطن والدولة، والمجتمع..
هذا التصور هو شرعنة لمواجهة التحديات، وللسيطرة على الصراع المجتمعي، ولترسيخ قيم الديمقراطية بوصفها نظاما وممارسة، مثلما هو المسار الحقيقي للتخلص من أعباء وأمراض الشكل العصابي للدولة القديمة، دولة الحروب والاستبداد، والانفتاح على سياق جديد لدولة تقوم على فكرة العدل بوصفه أساسا للملك كما تقول الحكمة القديمة..
استنبات فكر الحداثة في مجتمع مُعقد مثل مجتمعنا يحتاج إلى جهد استثناني، والى عمل مؤسساتي واسع على مستوى التنمية والتعليم والحاجات، والى وعي بضرورات هذا الفكر في بناء الدولة، وفي خلق تنمية فاعلة وواقعية، وفي مواجهة تحديات الإرهاب والتكفير وكل الأفكار والنظم التي تهدد الدولة والمجتمع والتعايش المجتمعي بين الناس، فضلا عن الانفتاح على قيم التمدن والتحضر، وتبني قيم جديدة للتربية والتعليم والتنمية ولوعي التاريخ، فمن الصعب خلق بيئة صالحة للتعايش مع وجود هذا الكم من الصراعات، ونزعات العنف التي تتبنها جماعات الإرهاب والتكفير، ومن الصعب جدا الحديث عن مشروع حقيقي للحداثة والنظام الاجتماعي غامر بكل مظاهر التخلف والجهل والعوز..
إنّ الحاجة إلى بناء دولة قوية يعني الحاجة إلى بناء مجتمع قوي، والى صياغة علاقات تكافلية تضمن القبول الآمن بالآخر، مثلما تتضمن وجود أطر وتشريعات تعزز مسار البناء المجتمعي، من منطلق الحاجة أولا، ومن منطلق شرعنة وجود دولة ومؤسسات قائمة على أسس علمية، ومحمية بالقوانين وبعيدة عن العشوائية والفساد على المستوى السياسي والاقتصادي والتعليمي، وهو ما يعني أن تكون هذه الحداثة مشروعا وطنيا متكاملا، وبابا واسعا لمراجعة الكثير من العقد والأزمات التي أصابت حياتنا العراقية في التاريخ والثقافة والسياسة والاجتماع..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة