الأخبار العاجلة

«صفقات»

على مدار الساعة تداهمنا اخبار يقال عنها مفاجئة، او مثيرة للاستغراب، او بمنزلة قنبلة دخان، وهي تعلن عن لقاء احد السياسيين العراقيين بسياسيّ آخر من معسكر آخر يدخل اسمه في قائمة الخصوم او المعارضين أو احياناً «المتآمرين» او «المنشقين» ويتطور الخبر، بحسب وظيفة التخيُّل وموهبة المتخيِّل، الى رواية وابطال ودول، والحال ان بعض هذه اللقاءات قد تتم عرضًا في صالة مطار او في احد الفنادق أو حتى في مناسبة اجتماعية عابرة، لتلتقطها عين المحمول، ثم لتصبح مادة اعلامية مثيرة، فصفقة.
وحتى لا نبسّط الامور، ولا نتعامل مع هذه الاخبار بسذاحة، فان ثمة لقاءات حقيقية (قليلة ومتباعدة) تجري بين سياسيين وناشطين من اطراف عراقية متخاصمة، بهدف استبيان خلفيات المواقف او أبعادها أو مدياتها، او للبحث عن مفاتيح للخروج من الدوامة السياسية، وقد يبادر هذا السياسي أو ذاك الى عبور حاجز الحساسيات و»المحرمات» ليلتقي بآخر من جهة مناهضة أو من معسكر «عدو» في محاولة لتبادل النقاش في قضية يمكن لها ان تتوضح فقط على طاولة في صالة بعيدة الانظار، وليس بالضرورة ان يسفر اللقاء عن اتفاق، فان غالبية مثل هذه اللقاءات لا تصل الى نتيجة بسب الجدار الكونكريتي الصلب من انعدام الثقة والريبة والشكوك التي وضعت في الساحة السياسية العراقية.
والحق ان للصفقات شروطاً معقدة ورجالا محترفين. يقول مهندس الصفقات النمساوي الشهير في القرن التاسع عشر كليمنز فون مترنيخ وهو يدافع عما عُرف به «ليس كل لقاء بين السياسيين يعني وجود صفقة.. لا تدنسوا سمعة الصفقات» وتقوم «امجاد» مترنيخ على صناعة اتفاقات مثيرة (سميت صفقات) بين ممثلي الاطراف المتحاربة في اوروبا، وقد عرف على نطاق واسع ان اولئك السياسيين كانوا يشتمون بعضهم في الممرات التي توصل الى صالات الاجتماعات، لكنهم سرعان ما صاروا يتصافحون لأنهم جنبوا بلدانهم المزيد من الحروب.
المشكلة لدينا تتمثل في ضيق «حوصلة» النخب السياسية وازدرائها لخيارات الانفتاح والاعتدال والحكمة والبحث عن حلول وسط للخلافات والاستعداد على التنازل والمبادرة الى تصويب المواقف الخاطئة، وقلة امثلة الشجاعة في التراجع والمراجعة، وضعف الاحتساب لتقلبات الانواء واملاءات المستقبل، وكل هذه الاحكام الضرورية لبناء مجتمع جديد متصالح وبيئة سياسية صحية لابد ان تتم، اولا، عبر لقاءات واتصالات مباشرة بين الفرقاء السياسيين تؤسس لبيئة مجتمعية تتقبل الانفتاح والوسطية وتقلل من تأثير الحافات الطائفية والفئوية والقومية، وتقرب المرحلة السياسية المأزومة من امكانيات التسوية السياسية الناجزة.
ان دعوة السياسيين من شتى المعسكرات على التلاقي وعبور الجسور المغلقة، وعدم الخوف من فزاعة الصفقات، تبدو من زاوية معينة دعوة ساذجة، فماذا يعمل السياسي أذا لم يلتق بالسياسي الآخر؟ وما فائدة ان تقتصر لقاءاته على اصحابه وامثاله ومؤيديه؟.
انها الخندقة.
**********
ابو حيان التوحيدي
عن دكتاتور ذلك الزمان:»لا يسمع إلا(عبارات) صدق سيدنا.. واصاب سيدنا».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة