علاقة مصر بدول مجلس التعاون الخليجى

دراسة حالة المملكة العربية السعودية
القسم العاشر
دينا شيرين محمد شفيق

ان حكم الاخوان المسلمين في مصر مثل خطر جاثم على صدر العلاقات المصرية الخليجية، كان لابد من ازاحته حتى تعود العلاقات المصرية الخليجية الى مسارها الطبيعى وذلك لان وبرغم كل شيء تظل العلاقات المصرية الخليجية على درجة كبيرة من الأهمية، ليس لمصر وحدها لكن لدول الخليج أيضا، لأنها علاقات حتمية وأبدية مهما تغيرت النظم الحاكمة، وهناك أسباب كثيرة تجعل من العلاقات المصرية الخليجية كيانًا ثابتًا وراسخاً لا يتأثر بالمناخ السياسي، منها:
1-إن قناة السويس تعد شرياناً حيوياً للدول الخليجية، نتيجة مرور ثلثي إنتاج دول الخليج من البترول عبرها، ومن ثم تعد – إضافة إلى هرمز وباب المندب- ممرات مائية مهمة تعالج في وحدة واحدة في جميع دراسات الأمن الخليجي. يضاف إلى ذلك ويدعمه أن السعودية واليمن تشاركان مصر في شواطئ البحر الأحمر، وبالتأكيد لا يمكن الحديث عن أمن الضفة الشرقية للبحر الأحمر بمعزل عن أمن ضفته الغربية، أي أن أمن مصر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الخليج.
2-إن هناك أعدادًا كبيرة من العمال المصريين بالخليج، فقد شهدت سبعينيات القرن العشرين هجرة أعداد كبيرة من المصريين إلى دول الخليج العربي، وفي الموجة الثانية لعمل المصريين بالخارج بعد الموجة الأولي التي بدأت في عشرينيات ذلك القرن لدعم نهضة هذه الدول، وجسدتها إعارات من الحكومة المصرية للنهضة بالتعليم، ولتنظيم الجمارك، أو لدعم الإدارة الحكومية. وكانت مصر تتحمل أغلب أو كل نفقاتهم ورواتبهم. فهذا الوجود المصري في الخليج يعد مهما لمصر، لأنه يمثل جسراً للتواصل الإنساني والاجتماعي بين أبناء الشعب المصري وأبناء الشعوب الخليجية، مما يكون على المدى البعيد أساسا لقبول عام يمهد لتبادل أوسع للمصالح المشتركة بين الجانبين.كما أن لهذا الوجود المصري مردوداً إيجابياً على ميزان المدفوعات، كما إن تدفق تحويلات المغتربين يضخ في الاقتصاد الوطني دخلا ضخماً يناهز عشر الدخل القومي، بحيث بدأ يغير أبعاده واتجاهاته بقدر أو بآخر، كما أخذ يعيد تركيب المجتمع المصري، ويعيد ترتيب طبقاته إلى حد مماثل.. كما أن آثار التحويلات لم تقتصر على طبقة أفقية واحدة، وإنما انتشرت لتشمل نظاماً رأسياً كاملا من طبقات المجتمع المصري جميعاً، وعلى وجه التقريب ابتداء من الحرفيين والفلاحين، حتى المثقفين والمهنيين والتجار. ولذا، جاء تأثير التحويلات الطبقي أكثر تعقيدا وتلونا، مثلما تسرب إلى القري والريف، ولم يقتصر على المدن، وإن كان قد تركز فيها بالطبع. إضافة لذلك، فقد أسهم استيعاب منطقة الخليج لأعداد كبيرة من المصريين والقوى البشرية المصرية في التقليل من نسبة البطالة المحلية، وخفف من العبء الملقي على عاتق الاقتصاد المصري وعلى الخدمات،وذلك كما سبقت الإشارة.
3-إن هناك تفاعلا اقتصادياً واسع النطاق بين مصر والخليج. وتعد القناة الثالثة لتفاعل مصر مع دول الخليج التفاعل الاقتصادي. ويوجد مؤشران له، الأول: حجم التبادل الاقتصادي بين مصر ودول الخليج تصديرا واستيرادا، والآخر: حجم الاستثمارات المتبادلة. فمن حيث حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الخليج عامي 2009 و2010 ، فقد وصل إلى 50 ٪ تقريبا من إجمالي حجم التبادل التجاري مع مجمل الدول العربية، وهو ما يوضح انحياز التعامل الاقتصادي لمصر نحو منطقة الخليج، خاصة أن هذا الاتجاه مسيطر على علاقات مصر الاقتصادية منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين.وقد سيطر الاتجاه نفسه على الاستثمارات بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، فقد بلغت قيمة الاستثمارات المباشرة البينية العربية عام 2010 نحو 7.5 مليار دولار، كان من بينها 6.2 مليار دولار مع دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت السعودية في المقدمة، تليها الإمارات، ثم الكويت، فقطر، فالبحرين،وأخيراً عمان.
وبالفعل قد تمت إزاحة هذا الخطر الجاثم على صدر العلاقات المصرية الخليجية بعد ثورة 30 يونية في مصر،فقد أدى سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر يوم “3يوليو 2013 ” الى مرحلة جديدن من التوافق فى العلاقات بين مصر ودول الخليج لانها وقفت الى جانب الثورة الشعبية التي قادها الشباب والليبراليون.

ثورة 30 يونية في مصر واثرها على التغير والتحول في العلاقات المصرية الخليجية :-
بعد خروج مظاهرات كبرى في 30 يونيو2013 وعزل القوات المسلحة لمرسي في 3 يوليو، سارعت البلدان الخليجية إلى الإعلان عن إرتياحها ودعمها لتحرك الجيش وتوالت المساعدات على مصر لدعم الحكم الجديد وحل المشكلات التي واجهت مصر قبيل سقوط حكم الإخوان المسلمين.ونلاحظ أن المواقف الخليجية من الموجة التصحيحية للثورة المصرية فى 30 يونيو 2013 اختلفت جذرياً عن المواقف الخليجية باستثناء قطر من ثورة يناير، لاعتبارات محددة، ووفقاً لمؤشرات معينة، وشهد مسار العلاقات المصرية الخليجية تحولات بارزة، عبر الاستفادة مما يمكن تسميته ب«التغذية المعادة أو المرتدة» والتى ترتكز على أسس راسخة للتفاعلات التعاونية، سواء السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، والتى تراكمت على مدى عقود، لدرجة أن مصر كانت مرشحة فى إحدى الفترات لتكون عضوًا بمجلس التعاون الخليجى، وعدها البعض “دولة خليجية بالوكالة”.
وليس سراً أن وراء هذا الاندفاع الخليجي نحو مصر مجموعة من الأسباب؛
1. فبمقدار ما عدت دول الخليج أنها خذلت عبر سقوط/ إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك، بمقدار ما ساءها أن “الربيع العربي” وثوراته والتحوّلات التي فرضها بدأت شيئاً وصارت سريعاً شيئاً آخر مع صعود فصائل تيار الإسلام السياسي ووصولها بأساليب مختلفة إلى السلطة. ولم تجد دول الخليج صعوبة في استشعار بروز جماعة “الإخوان المسلمين” في مجتمعاتها مستقوية خصوصاً بوقوع الحكم المصري في أيدي “الجماعة”، لذلك وجدت في عزل الرئيس “الإخواني” وإعادة قادة “الجماعة” إلى السجن فرصة تاريخية يجب استثمارها والبناء عليها.
2. التخوف من عواقب انهيار الدولة المصرية، بمعرفة جماعة الإخوان وحلفائها فى الداخل والخارج. فإذا كانت بعض دول الخليج تتنافس مع القاهرة فى ممارسة الأدوار الإقليمية، فيما يعرف فى الأدبيات بأثر المكانة لكنها -أي دول الخليج – تخشى من الخيارات البديلة للكيانات النظامية للدولة، وهو ما عبرت عنه إحدى كلمات الملك عبدالله بن عبدالعزيز بعد 3 يوليو 2013 «لا تهاون فى استقرار مصر، لأن فى استقرارها استقرارا للإقليم».
لذا، فإن خيار الانجراف نحو الفوضى فى مصر، يعنى تحولها إلى دولة فاشلة أخرى مثل ليبيا وسوريا. فضلا عن التخوف السعودي تحديداً من سقوط الدول الرئيسة مثلما حدث مع العراق وسوريا، بحيث لم يعد سوى القاهرة والرياض.
3. الحفاظ على موازين القوى الإقليمية،فدول الخليج تتطلع استنادا إلى خبرة العقود الثلاثة الماضية إلى مصر كأهم حليف عربى لهم ضد التهديد الإيرانى، سواء باحتلال الجزر الإماراتية الثلاثة والإيحاء الإيرانى المستمر بأن البحرين محافظة إيرانية ودعم وتحريك الفئات الشيعية فى داخل دول الخليج وتهديد عروبة العراق.
كما أن ثمة توافقا فى بعض بؤر الازمات فى الشرق الأوسط، ولمواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، وقد يكون ليبيا واليمن مسرحاً لمهمات هذا التحالف، بعد التطورات المتسارعة فى تلك الدولتين،وهو ما حدث بالفعل في اليمن في اطار عاصفة الجزم بقيادة السعودية.
4. التكيف مع المتغيرات الدولية، إذ تعطى دول الخليج أهمية مركزية لعملية تكيف ومواءمة مستمرة مع المستجدات الدولية. وفى هذا السياق، يأتي الموقف المصري السعودي الإماراتي الحذر من سياسة الولايات المتحدة والدول الغربية، وفرملة الضغوط الدولية على القاهرة التى مايزال بعضها يعد ما جرى بعد 3 يوليو 2013 «انقلابا»، فضلا عن رغبة دول الخليج على تنويع دائرة خياراتها الدولية وعدم الرهان على الولايات المتحدة فى الصيغ الخاصة بحماية أمن الخليج. لذا، تدعو السعودية والإمارات والبحرية إلى ترتيبات أمنية لا تعتمد على الولايات المتحدة فقط، لأنه يمثل انموذجاً للحليف غير المستقر، بل طالبت بأدوار دولية وإقليمية أخرى، ومنها الدور الروسي والإيطالي والفرنسي والمصري.
ولذلك لم تُخف دول الخليج ابتهاجها بالتغيير، وأعلنت عن دعمها لمصر خلال الأسبوع الأول من عزل مرسي، وكان حجم الدعم المعلن (12 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت) أفضل تعبير عن مدى إحساس هذه الدول بالسعادة من إزاحة عبء ثقيل، كاد يهدد العلاقة بين هذه الدول ومصر. ولذلك قامت دول الخليج بتقديم مجموعة من الدعم لمصر تتمثل في :
*دعم اعلامى: تمثل في رسائل التهنئة الحارة من جانب القيادات الخليجية للرئيس عدلي منصور، وللفريق عبد الفتاح السيسي، والزيارة الإماراتية على مستوى عالٍ لمصر، وسارعت الحكومتان السعودية والإماراتية لإصدار بيانات قوية لدعم عملية الانتقال.
كما قامت السعودية كبير على المستوى الدولي من أجل تجنيب السلطات الجديدة في مصر المقاطعة الدولية وتوفير الدعم له وإظهار، في عديد المناسبات، أن النظام الحاكم في مصر ليس وحيداً في المنطقة وإنما يتمتع بدعم خليجي كبير.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة