استعادة التمدن !

اكثر من ثلاثة عقود انغمست فيها البلاد بحروب عبثية ومارس فيها الحكام المستبدون رعونتهم على هواهم واصروا على ترك العراق للفوضى والخراب.
بدورها اكملت عصابات الارهاب والجريمة من القاعدة وداعش وبقايا الديكتاتورية مسلسل الخراب هذا ولم تسمح للشعب العراقي بالتقاط انفاسه واعادة بناء وطنه وترتيب اوضاعه فيما فشلت النخب السياسية التي تولت ادارة شؤون الدولة بعد 2003 في اثبات قدرتها ونزاهتها في القيادة والادارة وخيبت آمال الملايين في التعويض والاسراع بازاحة هذا الخراب المتراكم ..هذا العراق الذي كانت تتوق لزيارته وفود الشرق والغرب وينبهر الخليجيون بنهضته وعمرانه وتنميته ومصانعه ومزارعه وحقوله الخضر وبحواضره من مدن جميلة ونظيفة وطبيعة ومسارح ودور سينما وفكر وادب وثقافة وشعر وتمدن ويسردون عن بغداد والبصرة ومدنه الحكايا والذكريات الجميلة خلال عقود من الحكم الملكي والجمهوري ويغبطون شعبه على الانصهار مع الثقافات الانسانية والحياة المدنية وكان قريباً جداً من الظهوركدولة متقدمة بشهادة الغرب والشرق.
كل ذلك اطاحت به جمهورية الخوف وجمهورية الفساد واصبحنا نصحو على بلاد تبدو فيها مظاهر الفوضى والجهل والتسيب والضياع ..اطلالة بسيطة على شوارع بغداد المتعبة (المكركبة) تكفي لاستجلاب الحزن واطلاق الاهات وزيارة سريعة للمدن الاخرى تكفي للتعرف على مدى الحرمان والاهمال الذي طالها كل هذه السنوات والحديث مع الناس والانصات لهمومهم وحاجاتهم يكشف مدى الانتظار والصبر والمعاناة التي تحيط بهم ..وقد تبدو خساراتنا كبيرة بهذا الانهيار والتدهور ولكن الاقسى والامر والاكثر خسارة هو انحدار القيم وخراب النفوس وفقدان ابسط مقومات التعامل الانساني في اوجه الحياة ومامن مفصل من مفاصل الدولة التي يبغي الناس من ورائها الحصول على خدمة معينة الا وتجد فيه انتهاكاً لكرامات الناس ومشقة وروتيناً قاتلا وينعكس هذا التدهور على الشارع لتجد مظاهر الانحلال وعدم احترام القوانين وشيوع ثقافات الجهل والتخلف في الكثير من التصرفات والمعاملات.
التحسر على فقدان المدنية شعور مر يعيشه الكثير من العراقيين والمطالبات بعودتها تتطلب اولا اعادة الامن والاستقرار الى العراق وطنا وشعبا واحياء القيم الاخلاقية داخل نفوسنا واحترام موروثنا الحضاري والاتساق مع الانسانية واشاعة ثقافة التمدن بدلا من ثقافة التجهيل .
د. علي شمخي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة