روح جديدة في الإدارة الأميركية

أوباما وسياساته الخارجية
إسماعيل زاير

لا تبدو المفاجآت قليلة هذه الايام وبعد اشهر على انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة تماماً كما كانت عشية الانتخابات نفسها .. ومع ان الرئيس الجديد الرابع والخمسون للبلاد لم يغير شيئاً من عاداته على برغم اننا نلمس بعض التخفيفات في لهجته . الكثير من الدهشة ينتظرنا في الايام المقبلة ، بل في السنين المقبلة اذا ما بقي ترامب حياً . آخر مفاجأة اطلقها كانت تعيين الجنرال جيمس ماتيس لوارة الدفاع . وهو من يعرف بلقبه المثير « ماد دوغ « . الجنرال كان قد طرد ايام اوباما لخلافه مع الادارة بصدد سياستها في العراق وفي منطقة الشرق الاوسط . وقبلها كان قد اختار جنرالا آخر هو مايكل فلين المعادي بشدة للإسلام والشريعة الاسلامية ليصبح مستشاره للأمن القومي . فلين بشر بحرب على ما اسماه « الراديكالية الاسلامية « واذا اضفنا الى الفريق رينيس بريبوس كرئيس لموظفي البيت الابيض والمسؤول عن التفاوض مع الكونغرس والحكومة والمعروف بنشاطه كيميني يمتلك وقود شبكة اعلامية كبيرة وعين الاعلامي الاخر ستيف بانون العامل في شركة برايتبارت نيوز كبيراً للمخططين الاستراتيجيين ، فسنكون امام مجموعة من الصقور المعروفين بتطابقهم مع مخططات وافكار ترامب وغير المحبوبين ولا شعبيين في البيئات النشطة اميركياً . وبانون ايضا كان ضابطا في الحرية الاميركية عمل الى جانب بريبوس في ادارة الحملة الانتخابية لترامب وهندس هزيمة هيلاري كلينتون التي وصفت بأنها بمنزلة الصدمة في الأوساط السياسية والحزبية الاميركية اقصت من عرفت بأنهالابنة المدللة للديمقراطيين . آخر المفاجات التمهيد لإعلان تسمية الجنرال ديفيد بترايوس وزيراً للخارجية . وهو الذي كان قد ابعد من منصبه قبل سنتين في عهد اوباما.

ترامب وهزيمة داعش
ولكن ما يهمنا هنا ان نلقي اضواء على ما ينتظر العراق ومنطقتنا من هذا الرذاذ النشط من سياسات مبتكرة في البنتاغون والإدارة والذي قد يذهب بالولايات المتحدة بعيداً عن مساراتها التأريخية . والتحولات المنتظرة على يد ترامب تسمح بتحسين وضعنا الميداني اكثر مما تنعكس على المنطقة بالسياق نفسه . واول ما يفهم من سياسات ترامب العراقية هو انه يريد هزيمة داعش اكثر مما يريد سحقها . كما انه يتسلح بخطط انهاء موقعي الرقة والموصل بسرعة اكبر مما كان سابقه الرئيس اوباما ، والمرشح عن تلك الخطط سعي ترامب الى القيام بإنزالات وتوجيه ضربات جوية مكثفة جداً لتأمين ضربة مميته لداعش في اكثر حواضنها اهمية . ببساطة يعد ترامب اولويته العراقية هزيمة داعش ويمنح البرنامج الذي يعمل عليه اول درجات السلم الى الشرق الاوسط . ويتطلع الرئيس الجديد الى اقامة تحاف سياسي دولي ، انما على اسس جديدة فالشركاء المحليون عليهم ان يبذلوا اكثر مما يفعلون اليوم . وهذا ينطبق على السعودية التي عليها ان تدفع مساهمات مالية مقابل استمرار حمايتها وكذلك عليها ان تسهم في دعم مجهود الحرب على داعش بقوات ميدانية وخطط واضحة لمحاربة الإرهاب الذي تمثله . وبهذا الصدد قد يترتب على العراق دفع تكاليف الجهد العسكري بشكل من الاشكال حيث حدد ترامب في اثناء حملته الانتخابية حصة العراق بأنها مليار ونصف المليار سنوياً ، ولكنه لم يتوسع في تفصيل الصيغة التي يرغب بتنظيم هذه الكلف.
تركيا وترامب
من الواضح ان ادارة ترامب راغبة في كسب شراكتها مع تركيا المنتشية بهزيمة كلينتون ولكنها مضطرة بالتضحية بعلاقاتها مع الاكراد ولا سيما مع اكراد سوريا الذين يعدون احد العناصر والثوابت الايجابية في عهد اوباما . وقد عدت الشراكة الاميركية الكردية اثمن شراكة في معركتي الرقة والموصل والتي من دونها قد تتعرض للكثير من التبعات السلبية والتضطر لاجراء تغييرات حاسمة تنطوي بعضها على الضغط على اردوغان ليبقي نشاطه ضمن الصيغة الممكنة والمحتملة من قبل ادارة ترامب . وسيكون دور الجنرالات المدنيين الذين يزخر بهم فريقه المعين ان يقنعوا اردوغان بمكاسب ومحاسن التعاون والتنسيق الميدانيين في الميدان السوري بالدرجة الاولى . ولكن العقبة المنتظرة لدى اردوغان ستكون في خياراته اذا واجه مثل هذا الضغط وعلى سبيل التحديد ينظر المحللون الى تلك السياسة بأنها راغبة في هزيمة داعش اولاً ولكنها تهدف في كل الاحوال كبح جماح الاكراد قبل كل شيئ . ويرى المراقبون انه لو كان على اردوغان الإختيار بين هزيمة داعش وكبح الاكراد لأختار الثاني .
ولدى الرئيس الجديد اوراق ترضية كبيرة ومتعددة قد يلجاً الى لعبها لتليين موقف اردوغان المتشدد والتوتر خاصة في علاقاته مع العواصم الاوروبية التي تتصاعد لهجة التهديد والمواجهة بينهما الى درجة مقلقة للجميع .
وحسب المراقبين فلطالما كانت إحدى المسلّمات بالنسبة إلى تركيا أن جغرافيتها تضمن لها أن حلفاءها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، لايستطيعون أن يديروا ظهرهم للشراكة الاستراتيجية معها. لقد استشعرت تركيا – وليس من دون سبب – أن تحالفها مع الولايات المتحدة لايمكن أن يتداعى، بغض النظر عن سجلها في مجال حقوق الإنسان، والتآكل البطيء للضوابط والتوازنات، والحدود المفروضة على التمثيل السياسي العادل. إذا كانت إدارة ترامب تحبّذ الانعزالية، فلن يكون مصير الديمقراطيات المتعثرة بعيداً من شواطئها مهماً بالنسبة إليها، وقد يتبيّن أن أنقرة على صواب من جديد.
لقد أظهرت وسائل الإعلام والمعلقون السياسيون الموالون للنظام التركي تعاطفاً علنياً مع ترامب. من شأن تركيا أن ترحب بتراجع التدخل الأميركي ونأي الولايات المتحدة بنفسها عن الفناء التركي في الشرق الأوسط. قد يعني ذلك إطلاق العنان أكثر للطموحات التركية غير الواضحة المعالم في المنطقة، حتى إنه قد يجعل مسؤوليات أنقرة كعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أكثر انسيابية وتساهلاً.
وغني عن القول ان ترامب لن يقلق بدوره على انعكاسات خططه على العلاقات بين اردوغان واقليم كردستان المنسق والمتعاون مع تركيا بنحو كبير . ولكن على ترامب بنفس الوقت ان يلجم السياسات التركية في العراق ولا سيما حساسيات معقدة اثارها اردوغان بصدد الموصل عموماً وتلعفر بنحو خاص .
الإطار الإستراتيجي
من المعروف انه قد جرى تثبيت تعهدات اميركية لضمان امن العراق ودعمه في اتفاقية الإطار الإستراتيجي الموقعة بين البلدين في السابع عشر من تشرين الثاني نوفمبر 2008، والتي تعد الوثيقة الأهم على صعيد تنظيم علاقاتهما المشتركة.هذه القضية تجسدت عملياً في الوعد الخاص بتنفيذ عقود التسليح، بما في ذلك التسليح الجوي، وعلى الأخص صفقة مقاتلات (F-16)، وبيع مروحيات هجومية من طراز (أباتشي)، ومنظومة مراقبة جوية حديثة.ويبدو ترامب متحمساً اليوم ليس فقط لتنفيذ تلك التعهدات بل في التسريع بمنح العراق ما يحتاجه في معركته لطرد داعش من نينوى . ومن الواضح ان ترامب سوف يوسع من حزمة التسلح العراقي بما يستجيب لأهدافه في المنطقة ولكنه من ناحية اخرى يرغب في اقامة علاقات مع العراق على اسس متجددة منها ان تعمل الحكومة العراقية على تحسين ادائها الاقتصادي وتصلح ما امكن من مكامن الفساد وان تعمل حكومة العبادي على تأمين شرطين اولهما ان تنظم شراكة قوية مت اقليم كردستان في مرحلة طرد داعش وان تنظم برنامجاً لإستيعاب المليشيات «الشيعية « المعتدلة التي تكون مستعدة للتعاون مع الحكومة العراقية والإلتزام باوامرها كوسيلة لعزل المجموعات التي تعلن عن خصومتها مع واشنطن . ولا يبدو مستبعداً ان يحصل العراق على طلباته، كما يتوقع ان تتسع قائمة المعدات التي ستقدم في صورة هبات ومعونات أميركية.
وينظر المحيطون بترامب الى العراق بوصفه يُمثل أنموذجاً لكيفية مقاربة التحديات ذات العواقب الإقليمية، والنجاح فيه قد يكون طريقاً للنجاح في قضايا مماثلة حول العالم. فالإدارة الأميركية القادمة معنية بالتركيز على كيفية جعل العراقيين قادرين على تحقيق أمنهم الوطني ارتكازاً إلى سواعدهم. وعليها الحذر من حبل التوازنات التائهة، فهذا حبل يجعل من العمل السياسي مجرد حلقة مفرغة، لا تقود أصحابها إلى أي نتيجة يصبون إليها.
وإذا كانت إحدى ركائز إستراتيجية الأمن القومي الأميركي تقوم على مبدأ التصدي لقوى العنف الدولي، والقضاء على قدراتها، قبل أن تصبح تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة الأميركية، فإن النجاح في العراق يعني أيضاً نجاحاً على هذا الصعيد.
إن الرئيس ترامب يُمكن أن يحقق للولايات المتحدة منظومة معطيات أساسية ذات صلة بأمنها الوطني، ومصالحها الدولية، إن هو حقق نجاحاً في العراق. ومن هنا، لا بد أن تكون بلورة السياسة الخاصة ببلاد الرافدين في مقدمة أولوياته.

عقدة سوريا
ويبدو أن جزءاً رئيساً من استراتيجيته في سوريا هو إعطاء روسيا مزيداً من المرونة في سعيها لفرض الاستقرار في المنطقة، وقد قال إن موسكو ربما يكون وضعها أنسب لإحداث تغيرات في الشرق الأوسط من الولايات المتّحدة.– تقدّم دونالد ترامب بخطة معقدة يصعب اتباعها غالباً في ما يتعلق بالدولة الإسلامية.
في البداية، كان متردداً بشأن التدخل في الصراع، بحجة أنه لم تكن لديه مشكلة في ترك روسيا تحارب الدولة الإسلامية. وقال إنه لا حاجة إلى التدخل الأميركي وإنّ الولايات المتحدة تستطيع ببساطة “الاهتمام بالبقايا” بعد أن تهزم روسيا التنظيم.
وفي إطار أي جهد أمريكي، يؤيد ترامب استخدام عدد محدود من القوات البرية الأميركية. يؤيد قصف حقول النفط العراقية لقطع إيرادات التنظيم.
تبدو بعض خطط الرئيس المنتخب، في ما يخص منطقة الشرق الأوسط، متناقضة مع بعضها، مثل التعهد بإنشاء منطقة آمنة في سورية، وفي الوقت نفسه التعهد بالعمل مع روسيا التي تستخدم الأجواء السورية لقصف المدنيين السوريين. ومهما يكن فهو ملتزم بإحداث تغييرين رئيسين في سياسة الولايات المتحدة، وهما العمل مع روسيا ضد مسلحي تنظيم «داعش»، والتراجع عن الاتفاق النووي مع طهران. وسيكون كلا التحركين بمنزلة تراجع عن سياسة أوباما في المنطقة، فقد شهدت فترة رئاسته تصاعداً للتوتر بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط، مثل السعودية ومصر وإسرائيل، لكن من غير الواضح ما إذا كانت المبادرات الجديدة ستؤدي إلى إصلاح الضرر.

تحولات في السياسة تجاه مصر
ان التغييرات الحساسة في المشهد العسكري تترافق مع مثيلها على الصعيد الاستراتيجي . ومع انه من المبكر التصريح بحصول تحول جيو ـ سياسي على صعيد علاقات واشنطن بالمنطقة ولا سيما اعادة النظر بنحو اعمق واشمل مما كان في السابق في التحالف والتعاون مع دول الخليج وعلى راسها السعودية ، الا ان المؤشرات المتاحة تنبئ بأن ترامب على وشك ان يقلب الطاولة التي تحمل بصمات سابقه وبالاحرى سابقيه بصدد التحالفات . فاليوم يبرز الميل الواضح لدى ادارة ترامب المقبلة الى التحالف مع العراق ومصر كحليفين اساسيين في المنطقة العربية ويترافق ذلك مع ترميم العلاقات بين هذين الدولتين وتركيا اذا سمحت الظروف . قد يؤدّي فوز ترامب بالرئاسة إلى حدوث تحوّل مهم في العلاقات الأميركية-المصرية التي شهدت فتوراً منذ انقلاب 2013. فعلى سبيل المثال، عمدت الولايات المتحدة في العام 2013 إلى تعليق المساعدات العسكرية بصورة جزئية، لتقوم باستئنافها لاحقاً في آذار/مارس 2015، معلّلةً ذلك بالحاجة إلى محاربة الدولة الإسلامية. لكن على الرغم من أن الولايات المتحدة استأنفت المساعدات، لم تتم دعوة عبد الفتاح السيسي حتى تاريخه إلى البيت الأبيض، ما يمكن عده ازدراء في العلن لحليف مقرّب من واشنطن. أما ترامب فيبدو أنه ينوي اعتماد سياسة أخرى في التعامل مع مصر. فقد أثنى، خلال اجتماع بينه وبين السيسي في نيويورك في أيلول/سبتمبر 2016، على الجهود التي يبذلها هذا الأخير في حربه على الإرهاب، وصرّح أنه في حال انتخابه، ستكون الولايات المتحدة صديقة لمصر وليس مجرد حليفة لها. وبعد ذلك، قطع ترامب وعداً بدعوة السيسي إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية. وقد سارع الرئيس المصري إلى ردّ الإشادة بالمثل، معلناً أن ترامب سيكون رئيساً قوياً، وهو من الشعارات الأساسية التي استعملها المرشح الجمهوري في برنامجه الانتخابي.
وفيما يخص السياسة، قد يكون لتحسّن العلاقات عدد من التداعيات. أولاً، غالب الظن أن شعبوية ترامب سوف تسهم في تعزيز مكانة السيسي، دولياً ومحلياً، لأنها ستولّد على الأرجح دعماً لحملته المستمرة لقمع الإخوان المسلمين والمعارضة العلمانية تحت شعار الحرب على الإرهاب. لقد سبق أن أشاد العديد من القادة في الحزب الجمهوري، بينهم جيب بوش وتيد كروز، بالرئيس المصري، مايؤشّر إلى الود الذي يجمع بين النظام المصري والحزب الجمهوري. أخيراً، من شأن المقاربة التي توصف بالانعزالية التي يُرجَّح أن يتّبعها ترامب في الشرق الأوسط، فضلاً عن استعداده الواضح للتعاون مع روسيا، أن تسهم في تعزيز التعاون بين مصر وروسيا – وهي عملية قائمة أصلاً – بطريقة تؤدّي إلى زيادة التأثير الروسي على مصر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة