مونارش..

ايمان الشمري

عندما ينشغل العالم عنك وتمسي وحيداً ,تراوح مكانك، تستخدم كل حواسك بدقة, تجرب كل قدراتك لتثبت أن العالم لازال يدور من حولك وأنك لست ببعيد عنه.
تقلب لوحات علقتها منذ أمد دون الإمعان فيها عبثاً تحرك كل ما يقع تحت يدك ,تركز مع كل صوت وهمسة ,يتهيأ لك أن الباب تطرق أو هو كذلك, يتراءى لك تتوهم، تتوجس من كل شيء.!!
فجأة يأتيك زائر فريد من نوعه, لن يطرق بابك أبدا , بل حط من السماء بين يديك.!
استغربت وجودها ,فراشة من نوع (مونارش )ملونة زاهية براقة , تتمتع بجناحين كبيرين , امتزجت على جانبيهما الألوان بعبثية جميلة ,أصفر مع وردي فاتح يميل يساراً يمتزج مع الأزرق الخافت , تتناثر نقط داكنة رمادية ,تحدها دوائر سود منعزلة عن خيط أسود يطوق جناحيها اللذين يرتكزان على قوام رشيق ممشوق.
فَرحتُ بوجودها الغريب والمفاجئ, فمنذ ليال طوال لم يزرني أحد.
كلمتها بقلب طفلة, أنتِ ضيفتي هذه الليلة وأُنسي الوحيد ربما أضعتي ِ سربك ِ عند بابي أوجيناتك الذكية هي التي قادتكِ إلي .
حينها لا أدري لماذا آمنت بتلك الخرافة التي آمنت بها بعض شعوب الإغريق حيث كانوا يعتقدون إن الأرواح تخرج من الجسد على شكل فراشة ,لذا كانوا يرمزون للروح بفتاة لها أجنحة يسمونها (بسيشة) .
آه يامونارش او بسيشه, أو أياً كنتِ أهديتني هذه الليلة حكمة لأيامي القادمة , هو أن كل شيء بمقدوره ان يوجد شيء ويمحو آخر ,أن الوحدة ليس بالضرورة الحاجة الى شخص معين بل بحاجة الى روح قادرة على خلق البدايات دائماً.
بينما راحت تحلق أمامي كراقصة باليه على نغمٍ هادئ, مرة تفرش جناحيها فيبدوان كلوحتين منسوختين على الجانبين وتضمهما أُخرى, ومرة تعلو بزهو رفيع وتهبط ساكنة ليس لها صوت بل تحاكيك الوانها التي تبدو متراقصة مع الحركة .
وجودها أدخل بهجة فريدة الى قلبي الصغير الذي يخفق حتى لوجود فراشة شعرت أن هذا الكائن الذي جاء متأخرا هدية من الله كي يبقي على ما لديَ من عقل خشية أن افقده وأنا اكلم نفسي.
أنرت منزلي الصغير وفتحت أبوابه أمامها وقلت لها :تجولي أيتها الزائرة البيت بيتك.
رفرفت بجناحيها ارتفعت قريبا مني ثم اتجهت نحو الضوء المشتعل، حامت حوله , هبطت , ارتفعت ثانية , راحت نحو سريري المغطى بفرش زهري وحواف خضراء , ظنته مرجا أخضر .!
لا يا زائرتي هو ليس كذلك فطالما أرقني السهاد على هذا السرير , وحدة موحشة وقلق مرير وخوف من اللا شيء وكل شيء .!أن تمسي وحدك هي مأساة بعينها لكن وجودها يجعلني متفائلة ..لا اعلم ما السر خلف طمأنينتي تلك الليلة , حشرة صغيرة تجعلني أنسى الوحدة وأنسى الوقت….
وأخيرا غلبني النعاس لكن حينها أغمضت عيني بسهولة دون أرق دون تفكير نمت فقط.
وعند الصباح أخيرا قررت إطلاق سراحها حملتها برفق كأُمٍ وطفل وأطلقتها في الفضاء علها تلحق بسرب المونارش .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة