في البرلمان.. مطاردات

مَن يتابع ما يجري تحت خيمة مجلس النواب عن قرب سيقول انها لعبة القط والفأر، حيث تهرب «المشاريع» من دائرة الى دائرة أخرى، وينتقل اللاعبون من خيار الى خيار آخر، وينسحب هذا من «خانة» ضعيفة الى أقوى، وتتداخل التكتلات والاهواء والنيات والمصالح، ثم، سرعان ما تأتي المفاجآت من تحت الطاولات عن سقوط وصعود واتفاقات وخذلانات:
اللعبة قديمة، منذ ان كان للقطط دور كبير في تناسخ الارواح التي مرت بالشرق القديم، وظهور القط المقدس على حجارة الكهوف البورمية، ثم القط الرومي، والقط الفرعوني، وتخطيطات القطط في معابد التبت، ثم القط السيامي بلونه الرمادي، مروراً بهر المطابخ، واجيال قطط الكارتون، توم وجيري، المعروفة، فيما تنامى اخيرًا شأن اللعبة مع دخول كتاب الرواية والقصص على عالم القطط والفئران، فكتب الدانيماركي هانز كرستيان اندرسن عن القطط كرمز للمنقطعين والعوانس، ثم كتب الكثيرون عنها كحيوانات مسلية للاطفال، ودخلت كتب تعليم الصغار مدخل الشعر: قطتي صغيرة. اسمها نميرة.
وتتمثل لعبة القط والفار، باختصار، في فنون الوثوب والهرب، الاختباء والظهور، المطاردة والفخاخ، الجر والعر، واحسب ان هذا ما كان يدفع الكثير من المعلقين الى الربط بين هذه الحال وحال القطط، السمان، الشرهة ، التي تطارد الفئران للفتك بها. يقول الجاحظ في (الحيوان) ان القط يراقب الفارة: “ فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها، وربما أخلى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن (الفارة) في الهرب، فإذا ظنت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها، فلايزال كذلك كالذي يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعًا في السلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذ بتنغيصه وتعذيبه».
ومن زاوية يبدو ان لعبة القط والفار تنتسب، منذ الازل، الى العلم العسكري، حين كان (واستمر) الايقاع بـ”العدو” همّا للقادة والساسة، وعرف بالمناورة في ابسط تعريفاته اللوجستية.
في اللعبة العراقية، يشاء البعض (حين يكون فارة) ان يلقي على القط موصوف الشر، ثم يلقي عليه (حين يصبح قطا) اجمل صفات الوداعة، وفي هذه اللعبة يتبادل القط والفارة موقعهما باستمرار، فمن كان قطا في اللعبة يصبح فأراً في اللعبة نفسها ، ومن كان في موقع المتمكن والمترهّي، يوما، يصبح في الموقع الضعيف يوما آخر، ومن يُستضعف اليوم يستأسد غدًا، ومن يُحاصَر هنا، يحاصِر هناك، وتختلف المواقع باختلال القضايا المطروحة، وبحسب الانواء السياسية لكن المهم في كل ذلك ان القط يبقى بأمس الحاجة الى الفأر، وان الاخير لايستغني عن صاحبه.
*********
الماغوط:
«يستطيع أي مواطن في أي بلد من بلداننا أن يدخل على أي مسؤول ويقول مايشاء لكن متى يخرج فهذه مسألة أخرى»
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة