لماذا تزايدت دعوات «العصيان المدني» في دول الإقليم؟

القسم الأول
مركز المستقبل للأبحاث

ضغوط مركبة:
تصاعدت أنماط دعوات العصيان المدني في دول الشرق الأوسط، التي تقوم بها أقليات في مناطق جغرافية محددة، أو تيارات إسلامية مسيسة، أو كتائب إلكترونية، أو مؤسسات موازية حكومية، أو من دون هوية مجتمعية، لأسباب متباينة، تتمثل في إسقاط النظم القائمة، أو المطالبة بالانفصال والحصول على الاستقلال، أو الاحتجاج على السياسات العامة، أو الاعتراض على هيمنة الميليشيات المسلحة، أو الضغط على السلطات الموازية، أو الإسراع لحل القضايا الفئوية.
غير أن هناك حزمة من المعوقات في اتجاه نجاح القائمين بالعصيان المدني في دول الإقليم في تحقيق أهدافهم، وهي الانقسامات الداخلية بين الأطراف الداعية إليه، وضعف الثقافة المجتمعية المتعلقة بالعصيان، والتخوف من سيناريوهات الفوضى الإقليمية، ومقاومة التدخلات الخارجية.
ويُشير مفهوم «العصيان المدني» في أدبيات النظم السياسية المقارنة إلى «رفض قطاعات مجتمعية الخضوع لقانون أو قرار أو لائحة أو تنظيم صادر عن السلطة التي ينتمون إليها، نظرًا لكونها جائرة وفقًا لرؤية هؤلاء المعترضين». وقد استعملت حركات المقاومة السلمية هذا الأسلوب في الهند وجنوب إفريقيا ومصر والولايات المتحدة الأميركية، في فترات زمنية مختلفة ولأسباب متباينة، تتعلق بالاستقلال عن الحكومات الاستعمارية، ومقاومة النزعة العنصرية، وتأكيد حركة الحقوق المدنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، على نحو يعكس اقتران العصيان المدني بتبلور إدراك مجتمعي عام بمقاومة عدم العدالة أو إجحاف القوانين، شريطة عدم استعمال العنف المسلح، أو الإضرار بالمرافق العامة أو تعطيل دوائر الدولة، الأمر الذي يوضح محورية «شرعية الهدف».
أنماط متعددة:
هناك عدة أنماط للعصيان المدني كما حددتها الخبرات المدنية لدول الشرق الأوسط، على النحو التالي:
1. عصيان الأقليات: تقوم بعض الفئات المجتمعية على أساس عرقي بالاحتجاج على سياسة الحكومة في ملف بعينه على نحو ما فعله سكان ولاية تيزي وزو الجزائرية في 5 يونيو 2016 حينما دخل عدد من أبنائها وأنزلوا العلم الوطني الجزائري في عدد من مؤسسات الدولة، ورفعوا «علم القبايل» بدلا منه، فضلا عن الخروج في مسيرات حاشدة للمطالبة بالاستقلال. وقد سبقه أيضًا رفض طلاب المؤسسات التعليمية بهذه المنطقة ترديد النشيد الوطني.
2. عصيان التيارات الإسلامية المسيسة: تلجأ بعض الجماعات المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان، إلى استغلال الوسائل التكنولوجية في التعبير عن مطالبهم واحتجاجاتهم التي يوجد قواسم مشتركة مع قوى مجتمعية بشأنها، حيث تم على مواقع التواصل الاجتماعي تدشين حملات في مصر للتحريض على عدم سداد فواتير المرافق، وإطلاق تظاهرات ضد ارتفاع الأسعار، ومن بينها حملة «مش دافعين» و»جوعتونا»، ولم تلق استجابة ملموسة، لا سيما مع دور الجيش ووزارة التموين بالدفع بسيارات محملة بمواد غذائية لمكافحة الغلاء بشتى المحافظات.
كما سبق أن دعت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، في عام 2015، في بيان معنون «سجن العلويين.. وما تزال المفاتيح بأيديكم» أبناءَ الطائفة العلوية لإعلان العصيان المدني، والانشقاق عن الجيش السوري، والانضمام إلى القوى المناهضة لنظام الأسد. وأكدت الجماعة في البيان «أنها تقدر المواقف التي اتخذها عدد غير قليل من العلويين والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والأكراد والتركمان باصطفافهم إلى جانب الشعب السوري ضد نظام الأسد، بخلاف السواد الأعظم من طوائفهم التي تساند النظام»، وهو ما يعكس سعي جماعة الإخوان لأن تكون البديل لنظام الأسد بعد سقوطه.
3. عصيان الكتائب الإلكترونية: يلجأ الداعون للعصيان المدني إلى الإنترنت للترويج للدعوة، حيث يَستعمل الإنترنت في السودان نحو 11 مليون شخص وفقًا لإحصاءات الهيئة القومية للاتصالات، إلى درجة أن البعض يعدها حربًا إلكترونية ضد نظام البشير.
على جانب آخر، تتسم الحركات الداعية للاعتصام المدني في بعض دول الإقليم بأنها إلكترونية لا تستند إلى قوى شعبية داعمة لأفكارها وخياراتها، على نحو ما تعكسه حركة «عصيان» حينما دعت على مواقع التواصل الاجتماعي، في 4 نوفمبر 2016، للعصيان على خلفية قرار الحكومة المصرية تعويم العملة ورفع أسعار الوقود.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تطلق فيها الحركة دعوات للإضراب العام والعصيان المدني في مصر، حيث دعت للعصيان المدني بنحو جزئي، على مدى ساعتين من الواحدة ظهرًا حتى الثالثة عصرًا في 2 يونيو 2015. غير أن هذه الدعوة لم تلق استجابة من قطاعات الرأي العام المصري في ظل الطابع الإخواني الحاكم لتحركاتها، لا سيما أن مطالبها تزامنت مع دعوات وقف إعدام قيادات الإخوان.
4. عصيان الحكومات: يُعد ذلك نمطًا مغايرًا لما تم الاعتياد عليه، وهو مقصور على الحالة الليبية فقط، حيث دعت حكومة عبدالله الثاني في بيان نشرته على صفحتها على موقع «فيسبوك»، في 21 أكتوبر 2014، الجيش الليبي الذي يقوده خليفة حفتر إلى التقدم نحو مدينة طرابلس لتحريرها، وفك هيمنة الميليشيات المسلحة عليها، كما طلبت من المواطنين إعلان العصيان المدني في شتى أنحاء المدينة انتظارًا لتحرك الجيش.
5. عصيان السجناء: تشير بعض الاتجاهات إلى حالات لممارسة عصيان مدني داخل أحد السجون، وهو ما ينطبق جليًّا على العصيان الذي قام به المعتقلون في سجن السويداء المدني في سوريا، في 4 أغسطس 2016، نظرًا لسوء المعاملة من قبل القوات الداعمة لنظام الأسد. وقد استطاعوا السيطرة على أجزاء من السجن، واحتجزوا ضباطًا من رتب مختلفة، بخلاف عدد من عناصر الشرطة، غير أنه تم التوصل لتفاهمات بين إدارة السجن وممثلي المعتقلين الذين تم القبض عليهم من محافظات السويداء ودرعا وريف دمشق.
6. عصيان من دون هوية: قد تكون الدعوة للعصيان المدني مجهولة لأسباب تتعلق بالخوف من بطش أجهزة الأمن بما يؤثر على مستوى الاستجابة الشعبية لها. وهنا، فإن المبادرات الفردية غير كافية لمواجهة السلطة السياسية. فقد أعلن ناشطون سوريون –من دون تحديد هويتهم الشخصية- حملة عصيان مدني، في ديسمبر 2011، لزيادة الضغط على نظام الأسد عبر شل الحركة الاقتصادية، وتقليص الإيرادات الحكومية، بما يؤدي إلى عجز النظام عن تمويل نفقاته، وتكرر ذلك أيضًا مع عصيان خافت لمجموعات التجار الذين يشكلون مركز قوة رئيسيًّا في النظام السوري.

*»المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة»، هو مركز تفكير Think Tank مستقل، أنشئ عام 2013، في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، للاسهام في تعميق الحوار العام، ومساندة عملية صنع القرار، ودعم البحث العلمي فيما يتعلق باتجاهات المستقبل، التي أصبحت تمثل مشكلة حقيقية بالمنطقة في ظل حالة عدم الاستقرار وعدم القدرة على التنبؤ خلال المرحلة الحالية، بهدف الاسهام في تجنب «صدمات المستقبل» قدر الإمكان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة