مواجهة الذات في ترجمة الرفض والنفور..!

مدينة الشعر..
د. حسن الجنابي

لعلَّ الاحساس بالاغتراب والتفاعل مع ذلك الاحساس ليس بالأمر الجديد ، فكثيرا ما شهدت ميادين الابداع عامة والأدبي منها على وجه الخصوص نماذج لشخصيات واجهت محنة الاغتراب واجتهدت في التصدي لتلك المحنة وقد اتخذت تلك المواجهات طرائق مختلفة ، فمنها ما تجلى بِجَلْدِ الذات على كينونتها ـ التي لم يكن لها خيار فيها أصلا ــ ، ومنها ما يتجه بها الشخص المغترب نحو العالم .. وفي هذا النمط من المواجهة تتباين سبُلُ المعالجة والتفاعل بين محوري السلب والإيجاب .. فقد تنكفئُ الذات وترتد ناكصة نحو الداخل في أحيان ، وربما انفتحت على الخارج وهي تمارس ألوانا من النشاط في خطوات أبعد .. وذلك في محاولة منها لإحداث ما يمكن إحداثُه من تأثير وتثوير لطاقاتها هي بالدرجة الأولى ومن ثم لطاقات الآخر الكامنة أو المُدجَّنَةِ على نحو ما.. !.
إن مدينة الشعر واحدٌ من تلك المنجزات الأدبية التي شرعت بأن تكون محاولة تجريبية متناصَّة ـــ في إطارها العام ـــ مع تجارب سابقة عرفتها الآداب العالمية ومنها أدبنا العربي في مختلف مراحله ، اجتهد مبدعها الشاعر الدكتور( فارس الحسيني ) في أن يجعل منها واحدة من تجارب ارتحال الذات وتطوافها على نحو عابرٍ حدودَ المكان ومتجاوزٍ تقلبات الزمان ، وهي تستل شخصيات من الشعراء على نحو انتقائي لتقيم معها حوارات تتضمن الشكوى حيناً والسُّخرية والرَّفض في أحيان أُخر .. ولا بُدَّ من أن نشيرَ في هذا السياق إلى أن ارتياد عوالم تلك الشخصيات لم يكن محض مصادفة بل كان يمثل خياراتٍ واعية ومدروسة ، عايشتها ذات المُبدع لتقيم معها حوارية من هذا النوع أو ذاك ، بالنظر إلى ما تسرب عن تلك الذوات من خصوصيات أو ما تشرَّبته منها ذات الشاعر (صاحب التجربة) من قراءات ، وكأنه في هذا وذاك أراد أن يستقدم تلك الشخصيات على سُنَّة الأولين باستدعائهم الصَّحبَّ ــ «يا صاحبيَّ»ــ واستنطاقهم مُجريا على ألسنتهم صرخات الرفض والثورة على مواضعات الحاضر بإخفاقاته ونكوصه الدّال على التراجع في مختلف ميادين الحياة .
رُبَّ سائل يعترضُ بقول : ما الحاجة التي دعت إلى هذا النوع من التجريب ؟! ولماذا لم يعتمد صاحب النص نمطا مباشرا في تقديم رؤاه وأفكاره ؟! .
هنا نقول : إذا كانت الغاية من كتابة تلك النصوص تتمثل بتمزيق أوراق الحاضر ونسف كثير من بنياته بوصفها كيانات ناشزة لا بُدَّ من تعريتها وتقويم ما زاغ منها ، فإنّ من هنا تبرز محنة الذات وحاجتها إلى التدليل والبرهنة ، بما لا يدع الفرصة لمن يمكن أن يَسِمَهَا بالانحراف والخروج عن منطق التداول اليومي لمواضعات الحياة ،ولا سيما العقيدية منها والقِيمِيَّة على وجه الخصوص .
ذكرنا أن نصَّ المدوَّنة يحكمه النزوع إلى التدليل .. وإذا كان الأمر كذلك فإن الذات تجد نفسها ملزمة بالسعي إلى حشد كل ما لديها من ممكنات لبلوغ غايتها، وفي حال كهذه نجدها تتوسل بذوات أخريات في تقديم الرؤيا وعرضها ، لا من سبيل الحاجة إلى التقنُّعِ بتلك الذوات أو التخفِّي وراءها أو التنصُّلِ من مسؤولية ما هو مطروح من رؤى وأفكار ، بل لأنها أدركت ما للفعل الجمعي من أثر ولا بأس بمزيد من الأصوات لتمزيق جدران الصَّمتِ وهدم أركان الجُمود .. فما استدعاء الشعراء إلاّ لأنَّ الذات لا تزال تـؤمن بالشـــاعر ودوره الرِّســالي الذي عقدته له العرب في أعصرها العابرة وأحقابها الغابرة … إلى يومنا هذا .
وأما ما يتعلق بالتجاوز الزَّمكاني ، فإن المدوَّنة تزخر باستحضار (( اثني عشر شاعرا )) في تسع رحلات لتلك المدينة الميتافيزيقية ، وقد عبر الاختيار عن وعي الذات مِحنتَها ، فضلا عن إدراكها ما يَسِمُ تلك التجارب من طريق الحلول مع أصحابها وتقمُّصِ شخوصهم بما يكشف عن هضم وتفحُّصٍ لمنجزاتهم ، الأمر الذي قاد إلى الإمساك بعُرى هواجسهم والانغماس بانشغالاتهم ــ التي يبدو أنها انشغالات ذات المبدع وهواجسه من قَبْلِهم ــ على اختلاف مستوياتهم الذهنية ، وكأن تلك الذات وجدت في تعدد وجوههم ما يتلاءم والفرشة المجتمعية في زمن محنتها هي .
لقد تبلورت ملامح تلك المحنة من طريق الرحلات الحلمية التسع، إذ جابت الذات من خلالها أفناءَ مدينة الشعر ، وجاست بمخيلتها عوالم تلك الذوات و ذهنياتها المتباينة في مقاربات حوارية لا تخلو من الطَّرافة والفكرة المعبر عنها بموقف أو حكمة ، ففي الرحلة الأولى تلتقي الذاتُ فيلسوف الشعراء أو شاعر الفلاسفة أبا العلاء المعرِّي ، الذي لم يجد متحوَّلا عن الإقرار بعبثية الحياة ولا جدواها حين يُنشِدُ قائلا :
أمن أجل هذا دارت الشُّهُب كلُّها ودامت نجوم الليلِ غيرَ أوافلِ
تفكرت في هذي الحياة ولُغزِها ولكن لي عن حلِّه ألف شاغلِ
و ساءلتُ عنها فيلسوفا وعالِما فقال بأني جاهل للمسائل
ثم ينعطف في موضع آخر من الحوارية بعد يأس من إيجابية الآخر ، مُؤثِرا الانكفاء والانطواء على الذات والارتداد نحو الداخل مترفعا عمَّا يشغل الناس عامة ليقول :
أرى عِزَّتي في عُزلتي عن صراعِهُمُ فمنزلتي في غير تلك المنازل ِ
ومن ثم لا تجد الذات ما يُبرئ علتها ويُبرِدُ غِلَّتها على أديم الأرض فتنعطف نحو السماء بوصفها الملجأ الأخير لاهتداء التائهين ، وفي ذلك نقرأ على لسان المعري :
دعوتك ربي أن تجنبني العمى وألاَّ يغشيني عن الحقِّ زخرف
وأن لا تُريَ عيني الحياة حبيبةً وكل الذي فيها مريبٌ مزيَّفُ

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة