مقهى الأشباح

بعد وفاة مقهى البرلمان رحمه الله بطريقة غامضة أقرب الى الاغتيال أنتقل رواده الحزاني مغمومين يرزحون بحمل جثة المقهى الشهيد، والتي سرعان ما انزلقت ودفنوها في ذاكرة الثقافة بمجرد العثور على مقهى(حسن عجمي)، الذي استقبلهم بساعاته الكثيرة المؤدبة العاقلة الواقفة وكأنها أضربت عن المشي والدوران لرخص الزمن ولامبالات الرواد لها، فهي قد تملصت من الزمن العثماني وهي تدخل العهد الاستعماري وربما هي كفت عن الركض واللهاث السياسي فتوقفت إجلالا وإكبارا لهيبة(أبو داود) موزع الشاي بوجهه الصارم وشواربه الانكشارية، أبو داود الذي يوزع استكانات المن والسلوى على رواد الجحيم.
امتلأ المقهى صخبا وحياتا بعد وصول مغذي العبث والمرح في شريان الثقافة الأبهر فكان(نصيف الناصري) يناكد الشعراء العموديين وهو يشد ربطة عنقه العمودية تحت أنفه العمودي وما تحت سرته العمودي الذي ينتفض شعرا أفقيا وقت الهياج فقط وزيارة شيطان الوحي. وهناك(هادي السيد) الذي يلعب مع عزرائيل لعبة الغميضة وهو يطوي السموات السبع والقارات السبع في ضربة ريشة واحدة من ألوان لسانه الزاخر بكل ما لذ وطاب، هادي السيد موهبة حكي وسوالف وقص يتفايض من كل جوانبه، سارد اسطوري يحكي كيف نتختل خارجين من البيت متسللين ونحن نتخفى لئلا يصادفنا شاعر ويجلدنا بقصيدته الجديدة. ويحكي عندما كنا معا في مدينة(الحرية) حين أقفونا الرفاق البعثيين في بداية الحرب العراقية الايرانية وقالوا لي:(أطفأ سيجارتك) ليلتها كان القمر بدرا وساطعا يكشف حتى دبيب( كراص الخ…اوي) فقلت لهم : اطفأوا القمر وبعدها أطفأ السيجارة. لكن هادي السيد يؤسطر الحادثة ويرش عليها بهارات الخيال وفلفل المرح الحار ويعطرها بنكهة زعفران لغته الثرة المجنحة وكأنه يتلاوى مع ماركيز في حيله السردية. كان(حسن عجمي) مقهى الصداقة اللدودة حيث الشعراء كلهم أنبياء بلا لحية ولا عكاز ولا مريدين، مهووسين بحمى السيمياء كل واحد منهم يرى نفسه المسيح بوجه نيتشه، ونبي أيوب بثوب لوتريامون، ونبي يوسف تحت جلد رامبو. كل الشعراء سندباد ولكن بلا بحر ولا سفينة انما البحر هو الشاي الغاطسين به والسفينة مقهى حسن عجمي، يجوبون البحار والمحيطات وهم على ذات القنفة جالسين ينضحون عرق أحلامهم، وكان دوي القصائد أشرس عنفا من دوي مدافع الحرب العراقية الايرانية حيث بدأت التخندقات الي جبهتين ثقافيتين أحدهما في الشعر التعبوي الذي يعيش على رمي أجساد الاطفال والشباب والنساء والشيوخ في وقود الحرب، والجبهة الاخرى مناهضة للحرب والعنف والدكتاتورية لكنها تتخفى تحت جلد الواقع خانسة وأحيانا تتقنفذ على نفسها خشية العدم والبطش.
لم يتسلل أي من أشباح مقهى البرلمان الى حسن عجمي فلم نصادف شبح السياب الذي كان يتنقل من ساعة الى ساعة تواكبه غيمة مراهقة وهو يحمل(درنفيس) الشعر محاولا اصلاح الزمن العاطل من خلال فتح براغي تابوت الشعر العمودي. كما لم نصادف جبرا ابراهيم جبرا وهو يمسح الغبار عن جمجمة هاملت الزرقاء بعدما تفشى بالجسد السم البعثي. وكذلك لم نصادف عبد الامير الحصيري وهو يفرغ قناني الخمر في جوفه ويدس فيها قصائده،يغلفها ويرميها في شط دجلة وهو يتمنى ان يعود العراق الى وطنه.
نصيف فلك نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة