الأخبار العاجلة

عند أديب كمال الدين في (مرآة الحرف)

فضاءات السياق الدلالي
عبد الأمير خليل مراد

تقترح دراسة المعجم الشعري عند أي شاعر عملا إحصائيا لبعض المفردات التي تستغرق معظم نتاجه الشعري، حيث يمكن أن نتبين من خلال هذا الإحصاء موجهات تجربته الشعرية، والفضاءات التي تشكل في آفاقها روافد هذه التجربة ومصادرها المتنوعة.
ويمكن للقارئ أن يستجلي من منظور هذه الخارطة تبديات الهموم والأفكار التي تستحوذ على خصائص هذا المعجم.
والمعروف أن أي معجم شعري يصدر عن البيئة التي يحيا فيها الشاعر؛ فمفرداته هي نتاج تلك الحاضنة، وما تنتهي إليه ثقافته الذاتية في مختبر الباطن، فالشعر الجاهلي، مثلا هو حصيلة مؤثرات البيئة الصحراوية، تلك البيئة التي تمجِّد القساوة، وتحتفي بالانتماء القبلي والبطولة الفردية وصعوبة العيش، حيث تأتي مفردات شعره قائمة على مناخات هذه البيئة، كالصحراء والأطلال ، والناقة، والعارض، والذميل، والخمار، والذوابل، والسيوف، والرماح، والزبرجد، وغيرها.
كما أن هذا المعجم يتطور من عصر إلى آخر، فمعجم شعراء العصر الإسلامي يختلف إلى حد كبير عن مفردات شاعر العصر العباسي، وهكذا نلاحظ أن المفردات عند شاعر النص الحديث هي ليست كالمفردات التي يتبناها شاعر قصيدة العمود.
وأديب كمال الدين شاعر امتدت تجربته منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، إذ اصدر مجموعته الشعرية (تفاصيل) عام 1976 م،وهي مجموعة مبكرة قياسا إلى عمره الأدبي كونه ولد عام 1953 م، أي إن عمره حينها قد بلغ ثلاثة وعشرين عاما، كما أعقب هذا الإصدار بأكثر من خمس عشرة مجموعة شعرية، توزعت بين أرض الوطن وبلاد الغربة، حيث يبدو لنا من خلال هذا التقصي إنه شاعر ذو تجربة عميقة وغنية قائمة على المكابدة الحقيقية، ومعانقة الهم الإنساني، وقد أقام هذه التجربة على الإخلاص لفنه، وتطوير أدواته وتحولاتها – منذ بواكيره الأولى- من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر، واستطاع عبر هذا المخاض الطويل مع الكتابة أن يؤسس منطقة خاصة به، منطقة تسمى (الحرف والنقطة)، إذ أطلق عليه بالشاعر الحروفي، أو شاعر الحروفية الجديدة، وهي منطقة لا يمكن لأي شاعر آخر تقليدها أو استنساخها، وان الاستدلال إلى منتجها يتأتى من خلال فضاءاتها اللصيقة بالحرف، وما يفضي إليه عالم الحرف من تنوع وابتكار جديد.
يقول بودلير لكي ننفذ إلى روح الأديب علينا أن نفتش عن الكلمات التي يكثر من استخدامها في قصائده، ولأجل أن تستقري معجم أديب كمال الدين الشعري في (مرآة الحرف) لابد من التحليق في تلك الفضاءات التي تشكل عالمه الشعري، وتلمس تجلياتها في أكثر من إطار.
ففي الفضاء الجغرافي نرى الشاعر يعول على المكان بوصفه متحفا ذاتيا لذكرياته وطفولته التي ابتدأها من الحلة إلى بغداد وعمان ودمشق في يوميات هذه الأمكنة القريبة إلى ذاته، وهي تتجسد كأمكنة عنقائية راسبة في وجدانه، إنها جغرافيا التوازي التي تهيمن في حضورها النصي على الكثير من تجارب أديب كمال الدين الشعرية، فنراه يكثر من استعمال مفردة الحرف والنقطة والبحر والنار والفرات والضحك و (ليل نهار)، وكل هذه المفردات لها دلالات رمزية وسياقية تتجلى في تعويم استعاراتها، وملامستها كشوفات الشاعر الاحتجاجية. فمفردة النهر التي يعني بها الفرات لا تشير إلى الخصب والنماء ، ذلك أن الماء هو واحد من أقانيم التكوين الأولى، إنه كالهواء والنار والتراب، غير أنه يمنح هذه المفردة رمزية مغايرة، فالفرات هنا يمثل سلطة التخلي والجفاء، حيث ارتبط هذا الاسم بإقصاء الحسين (عليه السلام) ومنعه من الالتذاذ بشربة ماء، وهو في أقسى حالات الظمأ. إن هذه التراتبية الرمزية لمفردة الفرات هي تراتبية انفعالية تتجاوز الصيغة النمطية لمفهوم الماء في الضمير الجمعي، كرمزية التطهر والاغتسال بفيوضات المقدس حيث يقول في قصيدة (قال الذئب: أنا هو البحر) ص 25:
طوال حياتي لم افعل شيئا
سوى أنني تركت جسدي الجريح
ينزف وهو يغرق في الفرات
يغرق أمام عيني
كجسد ميت.
إن بؤرة هذا المقطع تقوم على مفردتين هما (الجسد والفرات)، غير إن هذه البؤرة ذات رؤية تشاؤمية تتأسس على اليأس والإحباط، فالجسد معطل يسيطر عليه النزيف من كل جانب، بينما الفرات لا يقوى على بعث الحياة أو مواجهة الأفول، إنها مأساة الذات الشاعرة التي تتمرأى في (جسد ينزف وهو يغرق في الفرات)، حيث يرسم لنا أديب كمال الدين صورة قلقة .. صورة محزنة لإنسان يأخذ بهيكله إلى الانطفاء بمحض إرادته قبل أن يدركه الموت.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة