صيانات ثقافية..

علي حسن الفواز

لا يمكن الحديث عن صيانة ثقافية كاملة، فوسائط الثقافة لا تشبه أدوات الطبخ، كما أنها ليست جزءا من ورشة لتصليح الأفكار وترميمها، فالأفكار لا يمكن صيانتها عبر الاحتفاظ بها، أو حمايتها بعيدا عن عوامل التعرية، و لا يمكن للسياسة ولا للأيديولوجيا ولا للسلطة والعسكرة أنْ تصنع أغطية حمائية ومضادة للتاريخ، أو حيطانا تعزل الفكرة عن محيطها، أوعن الأسئلة التي تخترقها وتستغرقها..
الأصوليات والحاكميات الدينية والثقافية كثيرا ماتتوهم هذه الصيانة، وتعمل على تأصيل القوى المانعة، إذ تتوه في اللاوعي الجمعي العازل والعصابي، وتتبنى خطابا يقوم على كراهية وتكفير كل الممارسات التي تدعو للمغايرة والاختلاف والتجاوز، وهذا مايجعل هذه الأصوليات أكثر استعدادا للتحوّل بإتجاه العنف والاستبداد والارهاب..
الصيانة الثقافية عملية ضدية للتاريخ نفسه، لأنّ هذا التاريخ يقوم أصلاً على التجاوز، وعلى التغيير والديمومة والسيولة، وأنّ أيةّ محاولة ل(قفل) الأحداث والأفكار ستصطدم حتما بالسيرورة، تلك التي تشبه لعبة المطاردة، والبحث عن المعنى، أو عن عشبة الخلود كما في الأساطير، وحتى في السرديات فقد وضعنا بروب في مورفولوجيته أمام ثنائيات تقوم على الحركة، وعلى البحث، وربما يعود البعض بها الى أفكار هيرقلطس صاحب فكرة اللوغوس، والقائل ب(أنك لاتنزل البحر مرتين) لأن مياه البحر هنا كناية عن المُتغيّر والمختلف..

أوهام الصيانة الأيديولوجية..
تضع الحكومات المستبدة الفكر في سياق تداولي محدد، وترفض أن يُفسَّر هذا الفكر خارج التوصيف الأيديولوجي، لاسيما بعض الأطروحات ذات المرجعيات القومية والدينية، والتي تؤسس مشروعها على أساس(نقاوة) التاريخ، (نقاوة) النص، وتصطنع لهذا التأسيس مؤسسات ومراكز بحوث ووزارات وأجهزة أمن ومخابرات وفقهاء وسياسات خارجية، وأنّ أي اقتراب(مشبوه) من هذا العالم الغامض، والمُحصَّن سيُخضِع صاحبه للحُسبة، وللتشكيك بولائه، وبأهليته العقلية والثقافية والاجتماعية..
لقد كان لتأثير تاريخ الرعب الايديولوجي والعسكرتاري في العقل العربي سرديات سرية، من الصعب الإفصاح عنها، لكنها ظلت تملك أدواتها الماكرة في البوح عن طريق شفرات النكتة والمفارقة والسخرية والأغنية وغيرها، وهذا مايجعل ملاحقتها جزءا من مشغليات(النقد الثقافي) بوصف المسكوت عنه والمقموع نسقا مضمرا، ومثارا لقلق دائم، ولعل أية مراجعة تاريخية ستضعنا أمام يافطات طويلة من الذين ذهبوا ضحايا لهذه السرديات القاتلة..
لكن رغم كل هذا الرعب السلطوي/ الأيديولوجي ومقموعاته، فأنّ السرديات العابرة للصيانة والتعليب كانت عاملا فاعلا في دكِّ(المسمار) في الحائط السلالي للسلطة، إذ كان خرقا للصمت المقدس، وتجاوزا على الهيبة الافتراضية لوهم المشروع والمؤسسة والسلطة والحزب، مثلما أفقد الحائط الأيديولوجي قدسيته ومناعته، ووهم ثباته التاريخي والأبوي..

سرديات مضادة
قرأنا كثيرا من الروايات التي تفصح عن الحرية، وعن السجن والأيديولوجيا، إذ طرحت سردياته الكثير عن ماهو ضدّي، وماهو مختلف، بوصف هذا الاختلاف نوعا من المقاومة أو المواجهة، أو الرفض لكل ما يُطرح من صيانات قهرية، والتي حاولت- طوال عقود- أنْ ترمم شيخوخة الأب الأيديولوجي، أو الأب الجنرال أو الأب الرئيس! وبهذا تكون هذه السرديات المضادة هي خط مواجهة للوعي، وللمسؤولية الثقافية، وربما للمجاهرة برفض النزعات الصيانية التي تلجأ اليها(القوى البائدة) للدفاع عن أوهامها، ولمنع حركة التقدّم من أنْ تكون هي العلامة الفائقة للوجود والحركة والتغاير..
في رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف كان السجن هو العلامة التي تمثل السلطة، والحلم النضالي للبطل هو العلامة الضد، لكننا في رواية علي بدر(الركض وراء الذئاب) نجد بطله يطارد احلام الآخرين الخائبة، فالمنفى ليس خيارا، وليست صيانة لوعي مشروخ، بل هو تفكيك لهذا الوعي، وهروب الى أوهامه، ومراجعة لعُصاب الفكرة الايديولوجية ذاتها، تلك التي تركت ضحاياها/ الثوار (متسكعين، سكارى، متقاعدين) كما يقول عنهم فاضل ثامر..
وبقدر مايثير بطل علي بدر من اشكالات توصيفية في هويته ومرجعيته الملتبسة، إلّا أنه يضعنا كـ (شاهد) سردي ووظيفي أمام متاهة الأفكار التي يطاردها، والتي يفترض أنها غير قابلة للصيانة، لأنها تحولت الى أوهام أولا، ولانها ظلت تتعالق مع ايديولوجيا دوغمائية ثانيا، وهذا مايجعلها أمام حاجة التقويض، والخضوع- اضطرارا الى سيولة الزمن، وعوامل تعريته وواقعيته..
الإصرار على لعبة الصيانة لم يعد متعالقا بالأفكار فقط، بل صار صنو عمل الحكومات التي تمارس الاستبداد على شعوبها، ووكذلك صنو عمل الأصوليات التي تفرض فقهها الواحدي على الآخرين، بما فيها الاصوليات الحزبية والعسكرية والطائفية، وهذا مايجعل الحديث عن السرديات الضد هو الأكثر مدعاة للسجال، وللمقاربة، والبحث عن أفهومات التغيير كما عند ماركس، أو التجاوز كما عند هيغل، أو النقد الثقافي كما عند ادورد سعيد، بوصف أنّ الأفكار أصبحت خاضعة للتداول مثل السلع والحاجات والتقانات، وأنّ الحرص على حيازتها في الصناديق سيجعلها تفقد واقعيتها وجدواها، وهذا ماحاول بطل علي بدر أنْ يبرر شيئا عبر الافصاح عنه، إذ لاجدوى من الهروب بصناديق الايديولوجيا، وأنّ الحياة بوصفها جسدا ولذة هي العنوان الدائم الفاعلية للوجود، وللبحث عن المعنى، حيث لاوجود لمعنى واحد في البحر الهرقليطسي ولا في الصندوق العائلي، وأنّ التجاوز الانطولوجي هو الخيار والرهان على الحياة ذاتها، فلا مستقبل للطغاة، ولا للمستبدين ولا لصنّاع الأوهام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة