فاكهة الجنون

انتعش سوق الورع والتقوى وازدهر منذ الحملة الايمانية للقائد الضرورة حتى انتقلت حمى تقليد البعث من الزيتوني وشوارب ثمانية شباط الى الدشداشة والعرقشين البيضاء مع لحية شتائية طويلة. وتفاقم النفاق بعد الفين وثلاثة بعدما كانت بعض المناطق البغدادية تجتذب أفواج المجانين المرحة الذين يملؤون الدنيا بالصخب اللذيذ. مناطق مثل سوق(هرج) في الميدان،التي تستقبل المطرودين من مناطق متزمتة بالورع جاهمة بالتقوى وهي تكشر عليهم بوجه(جينكو) منزوعة من قلبها الرحمة حيث هربت منها الكلاب والقطط والحمير طالبة اللجوء الى مناطق رحيمة غير متشددة ولا تتنجس من مخلوقات الله. وكان(رعد فصام) آخر عنقود مجانين الميدان الذين سحبهم مغناطيس الـ (هرج) فأثمرت بهم شجرة الجنون العراقي فاكهة الحب. صادفني وتشبث بي ماسكا يدي الى أقرب بائع شاي في حين كنت انا بطريقي الى شارع المتنبي لشراء كتاب (تحف العقول). ساقني(رعد فصام) الى أقرب بائع شاي وهنا قررت ان أهرب منه بسؤال وقح: لماذا تستقطب منطقة الميدان وسوق هرج جميع المجانين؟ لم أكن أتوقع منه هذا الجواب العميق الفاحم الصادم حين شرع يقول: منطقة الميدان مكشوفة عارية بلا أقنعة ولا لثام خالية من فيروسات النفاق والدجل، الفقير يقول انا فقير والمجنون لا يدعي ولا يتصنع التعقل والحكمة والرزانة، القواد لا يدعي انه عفيف وشريف بل يصرح بصدق جارح انه قواد، واللص يقول انا حرامي أسرق الكحل من العين. هنا في الميدان كل شيء يلبس ثوبه لا يخجل مما هو به وعليه، لا يتصنع ولا يتكلف، بالضبط هنا يكون الشخص كما هو لا زايد ولا ناقص: السافل سافل والنظيف نظيف. فاجأني(رعد فصام) وهو يتلفت يمنة ويسرة وهمس بصوت يرتجف: كم أتمنى لو ان النواب والقادة والساسيين والاحزاب يصيرون مثل أهل سوق هرج في الميدان مكشوفين ناصعة نفوسهم تحت الشمس، يتطابق باطنهم مع ظاهرهم بلا نزاهة ولا شفافية ولا هم يتلثمون. يا أخي انا مثقوب القلب من حدة الكذب والنفاق، انا مثقوب مثل ثقب الاوزون. الجميع، جميعنا واحد يكذب على الآخر ونعود الى بيوتنا صادقين نقبل أيدينا وجه وقفا من شدة الورع. اذا كان العقل هو الكذب والنفاق والدجل ولبس الاقنعة واللثام فالجنون وسام للصدق والحب ولنكن مجانين كلنا بلا خجل وهل يسوء حال العراق أكثر مما هو الان إذا صار كل (الشعب) مخابيل،لم يبق أمامنا سوى الجنون بعدما جربنا كل الطرق وكل الحلول، وها أنا اردد مع الفيلسوف( شناوة الاعور): أنا مجنون إذن أنا موجود. وسوف أغني مع فرقة(بنك فلويد) وهم يصرخون: أشرق فوق الزمرد المجنون. الحياة ماسخة وبلا طعم لو خلت من المجانين.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة